مكتبة مورد الحلول

مركز المهندس

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16-02-2011
الصورة الرمزية المناهل
مراقبة سابقة

 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 26
تاريخ التسجيل : Nov 2009
المشاركات : 15,994
عدد النقاط : 2712

المناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond reputeالمناهل has a reputation beyond repute

المناهل غير متواجد حالياً
374004913 ملخصات مدخل إلى علم التاريخ

.
.





طلآب وطـآلبـآت ..
لتوفير عناء البحث , ولكي يتسنى للجميع الوصول إليها مباشرة
تم تخصيص هذا الموضـوع
لجميع ملخصات مدخل إلى علم التاريخ .. أجتهـآدآت الطـلآب ] ..
متجدد باستمرار , بأذن الله ..






.


.
توقيع » المناهل
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 2 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة الأولى
التاريخ مفهومه ونشأته



لفظ تاريخ ومدلوله لغة واصطلاحا:
لغة: تأريخ مصدر من أرخ بلغة قيس وهو اللفظ الشائع عند العرب , وتاريخ كل شيء من حيث اللغة هو غايته ووقته الذي ينتهي إليه , ولهذا يقال : فلان تاريخ قومه في الجود أي الذي انتهى إليه ذلك.
اصطلاحا: التاريخ هو تعريف بالوقت , وقد اختلف العلماء في أصل لفظ تاريخ ( عربي , فارسي, ....) , والتاريخ على العموم يعني التوقيت , أي تحديد زمن الأحداث وأوقات حدوثها . وتعني الزمن والحقبة .وقد أشار السخاوي في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ : ( أن التاريخ فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث توقيتها . وموضوعه الإنسان والزمان).


أطوار الكتابة التاريخية:
مرت الكتابة التاريخية في أطوار متعددة . ففي وقت كان التاريخ مجرد سرد للأحداث أو تدوينها دون نقد أو تمحيص أو محاولة التثبت من صحتها.
أول صورة دون بها التاريخ كانت في صورة قصصية.
أقدم التواريخ المدونة هي ما جاء في أسفار(التوراة و العهد القديم ) حيث ذكرت الأخبار الأولى عن الأحداث التي مرت بالخليقة منذ نشأتها الأولى ( كقصة خلق الإنسان , والطوفان ....) , ولذلك تمدنا الكتب السماوية بالمعلومات التاريخية الأولى عن حياة الإنسان وعلاقته بالآخرين على الأرض مسرح الأحداث . وهذا يؤكد أن التاريخ موضوعة الإنسان والزمان , فقد بدأ الإنسان منذ فجر الخليقة يحكي لأبنائه وأحفاده القصص عن الأجداد والسلف , وبالطبع امتزجت هذه القصص الحقيقية بالخيال , وبذا بدأ الإنسان يهتم بأخبار أسلافه السابقين.
وقبل أن يتعرف الإنسان على الكتابة عبر عن هذه الأفكار التي جالت في أذهانه بالرسم والنقش على الحجر مستخدما في ذلك ما أمكنه استخدامه من آلات وأدوات ومواد, ومن ثم ترك لنا الإنسان الأول على جدران الكهوف والمغاور من الأماكن التي سكنها ما يمكن أن نستدل به عن بعض أفكاره وعن نظم حياته ومعتقداته.

ومع تقدم الإنسان تطورت حياته , كما تطورت وسائل التعبير عن أفكاره ومعتقداته وأسلوب حياته حتى عرف الكتابة , فكانت طفرة عظيمة في مجال تسجيل الأحداث .
وكما ذكرنا فقد حرص الإنسان على تناقل قصص الأحداث السابقة لأبنائه وأحفاده ولم تخل هذه الأخبار من التحريف والإضافات مما يضفي على هؤلاء الأسلاف ثوبا من البطولات والتمجيد.
ولعل الهدف الأساسي هو اتخاذ العظة والعبرة من الماضي , وتوضيح الحاضر , والنظر إلى المستقبل في ضوء هذا الماضي بعظاته وعبره.

محاولات تدوين الأحداث التاريخية الأولى:
1- أيام المصريين القدماء: قام الكاهن (مانيثون) الذي عاصر بطليموس الأول والثاني
بوضع تاريخ لمصر القديمة على نظام الحوليات, لكنه فقد ولم يبق منه إلا شذرات
قليله.
2- البابليين: (بيروسوس) ألف كتاب عن تاريخ بابل 250 ق. م لكنه فقد أيضا.
3- الإغريق :
- (هكتيوس ) كتب عن أصل الشعب الإغريقي في القرن السادس قبل الميلاد.
- (هيرودوت) الملقب أبي التاريخ ,كتب عن النزاع بين الإغريق والفرس.
- (ثوكوديديس ) اهتم بحرب البلوبونيز بين أثينا واسبارطه.
- الالياذه والاوديسه التي تنسب إلى هوميروس.

ملاحظة : تميزت كتابات الإغريق بالبعد عن الخرافات والأساطير وبمحاولة الوصول إلى تفسير منطقي للأحداث .
4- الرومان:
- (بوليبيوس )الإغريقي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد وكتب عن المدينة الرومانية ,
فتوح الرومان أنظمتهم السياسية والاقتصادية..
- ( يوليوس قيصر )51ق.م . كتب عن حرب غالية وعن انتصاره على بومبي .
- ( ليفي ) ألف في تاريخ الجمهورية الرومانية .
- (تاسيت) تحدث عن الفساد الاجتماعي والتدهور الخلقي في روما .

وقد أثرت المسيحية في تقييد الأحداث التاريخية.

5- في العصور الوسطى:
بدأ الكتاب يدققون فيما يكتبون وينسبون الأخبار لأصحابها ومنهم:
- نانت في فرنسا 1049م. وفيليب دي كومين ( أبي التاريخ الحديث)
- الانجلو سكسوني في ألمانيا 1154م .
- ماثيوباريس في بريطانيا صاحب التاريخ الأكبر 1255م.
- بلوندوس الايطالي دعا إلى رفض الأساطير وتحكيم العقل 1463م.

6- في عصر النهضة الأوربية التي تميزت ب:
- صبغ التاريخ بالصبغة الزمنية وأصبح يكتب من قبل العلمانيين وليس رجال الدين.
- إحياء الدراسات القديمة اللاتينية والإغريقية ودورها في تغيير الكتابة التاريخية.
- ظهور روح النقد والتمحيص والتحليل للمراجع والمصادر الأصلية واستبعاد ما لايثبت صحته. وممن اشتهر في ذلك:
- لورنزوفلا في كتابه منحة قسطنطين.
- مكيافيلي صاحب كتاب ( الأمير ) و ( تاريخ فلورنسا).
- فرجيل كتب عن تاريخ انجلترا في عهد هنري السابع.
- مارتن لوثر 1546م زعيم حركة الإصلاح الديني الذي كان يدعوا الناس لدراسة الكتاب المقدس بأنفسهم دون الاعتماد على البابوية فأنار روح النقد والتحليل لديهم.
لقد استفاد التاريخ من الجدل المذهبي الكاثوليكي والبروتستانتي اكبر فائدة من حيث جمع مادة علمية ضخمة اتسمت بروح النقد والتمحيص.

7- القومية: إذ دفعت بالشعوب الأوربية إلى التلاحم والتكاتف وتسجيل التاريخ المشترك.وظهرت بذلك الدولة الوطنية الحديثة.
8- الاستعمار الأوروبي الذي سلب الشعوب ثرواتها فظهرت الطبقية واضطربت الأحوال الاجتماعية وتكونت الشركات الرأسمالية , والإقطاعية وتدهورت أحوال دول وانتعشت أخرى , وظهر نظام الحكم المطلق في أوربا وترتب على ذلك:
- الصراع بين اسبانيا والأراضي المنخفضة.
- الصراع بين الملكية وطبقة النبلاء في فرنسا.
- الثورة الدستورية في انجلترا.

ويهمنا القول أن جميع الأطراف المتصارعة كانت حريصة على شحذ أقلام كتابها للتفاخر بقضيتهم وإسقاط صورة أعدائهم , فأسهم ذلك في وفرة مادة للتطور السياسي والدستوري أحيانا.
9- حركة الاستنارة في القرن الثامن عشر:
إذ بدأ الاهتمام بإنشاء الأكاديميات وبرز منتسكيو في كتابه ( روح القوانيين) وجان جاك روسو ( العقد الاجتماعي).وفولتير ( عصر لويس الرابع عشر) , وجبون( تاريخ اضمحلال وسقوط الدولة الرومانية) , وولف الألماني وهردر( روسو الالمان) ونيبور.


10- في القرن التاسع عشر :
الاهتمام بجمع المصادر التاريخية ونشرها:
- المانيا : ( جمعية دراسة التاريخ الالماني).
- فرنسا : ( جمعية تاريخ فرنسا).
- بريطانيا : ( مصلحة المطبوعات الرسمية).( لجنة المخطوطات التاريخية).
- الولايات المتحدة الامريكية ( جامعة هارفارد , كولمبيا, متشيجان..)

- ولزخم المدونات التاريخية فقد قسم التاريخ الى سياسي اقتصادي ....
- ظهرت العديد من الآراء الفلسفية للتاريخ عند:
- كاسيرو : الذي يعتبر تقدم علم التاريخ من أعظم انجازات عصر الاستنارة.
- هيجل : الذي يرى أن تاريخ العالم ينقسم إلى( الحكم المستبد الشرقي ثم اليوناني والروماني ثم الجرماني وظهور شخصية الإنسان).

عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 3 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة الثانية
التاريخ عند العرب :

تحدثنا في المحاضرة السابقة عن مفهوم علم التاريخ وتطوره عبر العصور عند الأوربيين والمؤثرات التي أثرت على الكتابة التاريخية عندهم. والسؤال المهم هنا :
1- هل كان للعرب في الجاهلية ( عرب قبل الإسلام ) اهتمام بالتاريخ؟
2-ما التغير الذي طرأ على الكتابة التاريخية بعد الإسلام؟
3- ما الأطوار التاريخية التي مر بها هذا التغير؟
4- ما العوامل التي أثرت في الكتابة التاريخية عند العرب؟

كيف حدد العرب تاريخهم قبل الإسلام؟
كان العرب قبل الإسلام يحددون الأوقات بالنجوم والأهلة , كما كانوا يؤرخون بالأحداث العظيمة الحاسمة , والوقائع المشهورة ( كعام الفيل , وبناء الكعبة ....) .وظل الأمر كذلك حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب الذي اتخذ الهجرة النبوية بداية للتاريخ العربي الاسلامي, فمضى الأمر على ذلك حتى وقتنا الحالي.
ورغم ذلك تم العثور على نقوش مدونه في اليمن تحكي أخبار ملوكهم وحياتهم العامة وكذلك لدى ملوك الحيرة.


أيام العرب
كان العرب يتذاكرون أيامهم ومعاركهم وبطولاتهم في انتصاراتهم عن طريق الرواية الشفوية ويتفاخرون بالشعر والنثر , وان كان هناك نوعا من المبالغة في ذلك .
كذلك ظهرت مسألة التفاخر بالأنساب , فالقبيلة تتفاخر بنسبها وتحرص على أن تلقنه لأبنائها وأحفادها مع ما يتخلل ذلك من قصص البطولات بصورة نثرية وشعرية.
ومن أمثلة ذلك ما وصلنا عن أخبار عرب اليمن وملوكهم , وكذلك منافسة عرب الشمال لهم

فما المقصود بأيام العرب ؟
يذكر حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون(أن علم أيام العرب هو علم يبحث فيه عن الوقائع العظيمة , والأهوال الشديدة بين القبائل ..لذلك ينبغي أن يجعل فرعاَ من فروع التواريخ).

علاقة العرب بجوارهم:
كانت للعرب قبل الإسلام صلاتهم ببعض الشعوب المجاورة لهم كالروم والفرس , سواء بسبب الاحتكاك التجاري أو الحربي, لذلك كان طبيعيا أن تتناول قصصهم ورواياتهم شيئا من تاريخ هذه الشعوب وأخبارها.

علم التاريخ عند العرب بعد الإسلام:
اتسع مفهوم علم التاريخ عند العرب للأسباب التالية:
1- السيرة والمغازي: فقد اهتم المسلمون بتدوين سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأحاديثه ليفسروا بها القران حيناَ, ولتدوين أخبار وحياة الرسول الكريم ومغازية حينا أخر , فالسيرة العطرة أصل من أصول التشريع في الإسلام.
2- رغبة المسلمين في فهم ما جاء في القران والسنة من إشارات إلى الأمم الماضية ( ملوك , أنبياء , حوادث , يهود , مجوس...).ولعل الطبري في تاريخ الأمم ( الرسل) والملوك قد أجاد في ذلك.

3-رغبة الخلفاء في الاطلاع على سياسات الملوك لسياسة دولهم.
كما كان يفعل ذلك معاوية بن أبي سفيان الذي يستمر إلى ثلث الليل يستمع إلى أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها .....
4- تقدير الجزية والخراج من كون الأرض فتحت صلحاَ أم عنوة, وقد فصل الكثير في ذلك مثل البلاذري في فتوح البلدان.
5- نظام العطاء والجند : فقد رتب حسب الأنساب , والأسبقية في الدخول للإسلام, فظهرت كتب الطبقات .
6- احتكاك العرب بشعوب وأمم لها تاريخها والرغبة في إظهار قدرة العرب على الفهم والإدراك والتفوق عليهم.

7-ازدهار حركة الترجمة والتأليف.
8- الفتن والخلافات بين المسلمين :مثل سقيفة بني ساعده, الخوارج والاختلافات المذهبيه.


أطوار الكتابة التاريخية عند العرب بعد السلام:
1- القصص والأساطير الشعبية:
هذه المرحلة هي امتداد طبيعي لما كان سائدا قبل الإسلام , فكان من الطبيعي أن يستمر هذا اللون من الروايات التاريخية عن أيام العرب وحروبهم وعلاقاتهم بالشعوب التي اتصلوا بها.
2- مؤرخو السيرة والمغازي ,ومنهم:
موسى بن عقبة (ت 141هـ), ابن اسحق ( 150هـ),ابن هشام , الواقدي (ت 207هـ), ابن سعد (ت 230هـ).
3- منذ أوائل القرن الثالث الهجري توفرت مادة تاريخية ( الدواوين)
مثل ديوان( الإنشاء , الجند, الخراج , البريد, ..).بالإضافة إلى حركة الترجمة ودور ابن المقفع في الترجمة من الفارسية إلى العربية وكذلك البلاذري الذي ترجم عهد اردشير.

ففي القرون الثلاث الأول شملت مصادر التاريخ أربعة نماذج هي :
*- كتب السير والمغازي.
*- السجلات الرسمية
*- الكتب المترجمة
*- المشاهدة والمشافهة.

4- اثر الضعف السياسي في الدولة العباسية بعد ظهور دويلات الانفصال على الكتابة التاريخية, فبدأ يظهر بوضوح كتّاب التاريخ المحلي ومنهم:
(فتوح مصر لابن عبد الحكم ), (ولاة مصر وقضاتها للكندي), (تاريخ دمشق لابن عساكر), (البيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذارى ).
مع استمرار التدوين في التاريخ العام مثل :(مروج الذهب , أخبار الزمان للمسعودي),( تجارب الأمم لابن مسكويه),( الكامل في التاريخ لابن الأثير),( المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء),( العبر لابن خلدون)

5- تعرض العالم الإسلامي لهجمات شرسة :
( الصليبيين , المغول, سقوط الأندلس. فاثر ذلك في الكتابة التاريخية فانبرى عدد من المؤرخين ممن اهتم بمسألة قيام الدول وسقوطها.( ابن خلدون).

6- النظرة للتاريخ على انه علم له أصوله في البحث والكتابة:
فقد كتب ابن خلدون في مقدمته في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه , وأشار إلى أخطاء المؤرخين , فحذر من الوقوع تحت تأثير النقل من الأقدمين , دون مراعاة لأصول البحث العلمي في النقد.وكذلك اشارالسخاوي إلى مفهوم علم التاريخ وفضله في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ.

عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 4 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة الثالثة
مدارس الحركة التاريخية عند المسلمين :


أولاً – المدرسة اليمنية :
وقد اهتمت بأخبار أهل الكتاب, وتاريخ اليمن , والتاريخ فيها قصص وأساطير .فهي استمرار للتيار الجاهلي , والمؤرخون هنا قصاص شعبيون أو إخباريون يرددون الروايات التاريخية كما هي دون محاولة جادة لتقدها أو تخليصها من الخرافات .
ففيها تبدو بوضوح السمات التي ذكرناها عن الروايات اليمنية في طابعها الأسطوري القصصي فهي مزيج من القصص الشعبي , والإسرائيليات , وفيها تمجيد لعرب اليمن , كما أنها في أسلوبها لا تخرج كثيرا عن أسلوب قصص أيام العرب .والبعض ينظر لرواد هذه المدرسة على أنهم قصاص أكثر منهم مؤرخين.وفي مقدمة وهؤلاء وهب بن منبه , وعبيد بن شرية.
وسنشير لوهب بن منبه بشي من التفصيل باعتباره يمثل بحق هذه المدرسة اليمنية ..ولد و هب بن منبه في اليمن , وهناك اختلاف في تاريخ ولاته , وفي تاريخ وفاته , ولعل الأرجح أنه ولد في سنة 34هـ (654 – 655 م ) كما يذكر الدوري .ويصفه كل من ياقوت , وابن خلكان , والذهبي (بصاحب الأخبار والقصص ).وهو يستقى موارده من الروايات الشفوية , ومن كتب الأنبياء وغيرها , فقد اشتهر بسعة الإطلاع .
فقد روى قطعا من العهد القديم (التوراة ) خاصة من المزامير وسفر التكوين , ولعله أخذ أيضا من الإنجيل معلومات عن ميلاد المسيح وحياته , وعن بداية المسيحية وانتشارها في اليمن بالذات . ونسبت إليه العديد من المؤلفات , رغم أنه لم يصلنا منها إلا القليل من المقتبسات التي اقتبسها بعض الكتاب عنه مثل الطبري ,وابن قتيبة غيرهما. ومما ينسب إليه أنه ألف "أحاديث الأنبياء , و العباد أحاديث بنى إسرائيل " و"المبتدأ الخلق " و " الإسرائيليات " وكتاب " الملوك المتوجه من حمير وأخبارهم وقصصهم و قبورهم وأشعارهم " .ويبدو من هذا انه اهتم بالكتابة عن – خلق السموات والأرض , وقصص الأنبياء , وخاصة من بنى إسرائيل.
وبالاضافه لهذا ألف وهب في المغازي – لكن لم يشر لكتاباته هذه في كتب السيرة – مما يجعلنا أن نضعه في مكانة الصحيح باعتباره من كتاب الأقاصيص و الأساطير اليمنيين , وانه امتداد لفترة ما قبل الإسلام , وان له أثاره التي امتدت لفترات تاليه , فقد أدخل ( عنصر القصة ) في حقل التاريخ الإسلامي . ولا يخفى علينا أن القصص الشعبي عن السيرة وعن المسلمين الأوائل هو – كما قلنا – امتداد للقصص القديم في أسلوبه وطريقته .
فدور وهب بن منبه وأمثاله إذن هو أنهم كانوا أول من وضعوا هيكلا – وان كان قصصيا – لتاريخ النبوة منذ بدء الخليقة حتى ظهور الإسلام , وقد تأثر بهم بعض المؤرخين التاليين .
ولم يكن للأخبار والروايات في البداية أسانيد , بل استمرت كجزء من الثقافة العامة وهي تهم الجميع , وكان رواة الشعر أو مشايخ القبائل هم الرواة الاساسيون لها , وهكذا استمر الوضع إلى فترة في المجتمع الإسلامي الأول كما كان الوضع قبل الإسلام – لكن ظهور الإسلام , واستقرار القبائل في الأمصار أدي إلى تغيير كبير خاصة حين بدأ الاهتمام بالكتابة والقراءة وحدثت ثورة ثقافية كان للتاريخ بالطبع نصيبه فيها .
وهذا وقد ارتفع شأن القصص حتى أصبح عملا رسميا يعهد به إلى رجال رسميين يعطون عليه أجر – فقد ذكرى الكندي في كتابه ( القضاة ) إن كثيرا من القضاة كانوا يعينون أيضا ( قصاصا ) , وكان القاضي يجلس في المسجد وحوله الناس فيذكرهم بالله ويقص عليهم حكايات وقصصا عن الأمم الأخرى وهكذا .



ثانيا – المدرسة الحجازية ( في المدينة ومكة ) :
هي مدرسة كتاب السيرة والمغازي .الذين اهتموا بعرض الظروف والأحداث التاريخية الهامة في حياة الرسول والمسلمين الأولين . وقد اعتمدوا على شيئين :
الأول – ما كان دائرا بين العرب من إخبار الجاهلية .
الثاني – أحاديث رواها الصحابة , والتابعون ومن بعدهم عن حياة النبي (ص) وعن ولادته ونشأته ودعوته إلى الإسلام , وجهاده مع المشركين وغزواته . إلى حين وفاته .
وقد سار هؤلاء الكتاب على نمط علماء ( الحديث ) في كتاباتهم , من الاهتمام بالأسانيد .
ومن الطبيعي أن تكون المدينة هي أهم مصدر للمغازي فقد وقعت أكثر الأحداث تحت أعين أهلها .
وشملت كتابتهم ما اتصل بعهد الرسول , والخلفاء الراشدين والأمويين أيضا – وسنشير بإيجاز لاثنين من أبرز المنتمين لهذه المدرسة وما تناولته كتاباتهما , لإلقاء الضوء على هذه المدرسة التاريخية واهتماماتها , واتجاهات أتباعها – وهما عروة بن الزبير , وتلميذه أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله ابن عبد الله بن شهاب الذي أشتهر باسم الزهري .

عروة بن الزبير:
فهو ينتسب من جهة الأب وإلام لأسرتين من أشراف قريش , فأبوه القائد العربي الزبير بن العوام , وأمه أسماء بنت أبي بكر.
ولد سنة 23 هـ (643م) وتوفي 94هـ (712م ) ونشأ في المدينة وزار مصر وأقام بها سبع سنين, كما زار دمشق عدة مرات . كان زاهدا في الدنيا , محبا للعلم , أمضى حياته بين الدرس والتدريس حتى أصبح من فقهاء المدينة , ولم يزج بنفسه في الأحداث السياسية في زمنه , ومع انه كان ضد سياسة الأمويين فقد احترموه لعلمه فكانوا يسترشدون بعلمه ومعرفته فيما يتعلق بالأحداث الخاصة بفترة الرسالة.
فقد أرسل الخليفة عبد الملك بن مروان يسأله عن حوادث تتعلق بالرسالة وقد ذكر الطبري بعضها. وقد اهتم عروة في كتاباته بالإسناد في غالب الأحيان وهذا يعطي لكتاباته أهميه خاصة . لكنه لم يلتزم بهذا في كل رواياته. وعلى كل حال لم تكن قواعد الإسناد قد تبلورت وثبتت بعد في زمنه .

وقد قال عنه تلميذة الزهري فيما بعد " كان عروة بحرا لا يكدره الدلاء " . وقد تناول بالكتابة الأحداث المتعلقة بــ :
* بعث الرسول , ونزول الوحي , وبداية الدعوة وموقف قريش من المسلمين
* الهجرة إلى الحبشة وأسبابها .
* ازدياد مقاومة قريش للدعوة, وهجرة الرسول (ص) إلى المدينة .
* ثم تحدث عن المغازي.
* ورسائل النبي إلى الجهات المختلفة .
* الفترة الأخيرة من حياة الرسول .
ولم يقتصر عروة على المغازي بل تعرض لفترة الخلفاء الراشدين, فتحدث عن الحروب, الردة في خلافة أبي بكر , وعن حروب الشام , وعن مواضيع أخرى جاءت في رسالة عبد الملك بن مروان له .
ويختلف تناوله لهذه الأحداث , فأحيانا لا يعدو الأمر إشارات عابره , وفي بعض الأحيان يأتي بتفصيلات .

وقد أورد بعض كتب الرسول إلى الجهات المختلفة , وفي هذا اتجاه إلى ما عرف فيما بعد ( بالتوثيق ) في الكتابه التاريخية. كما استشهد بالآيات القرآنية , وكان أحيانا يورد بعض الشعر على لسان المشركين في الأحداث .
ويتميز أسلوبه بالسلامة, والبعد عن المبالغة , وكان يمهد للحادثة بمقدمة .
وهكذا جمع عروة ما هو متداول عن الأحداث التاريخية المرتبطة بالمغازي وأسهم في وضع بعض الأسس التي تقوم عليها الدراسة التاريخية لهذه الفترة الهامة في تاريخ الإسلام .
وقد أورد كل من الطبري , والبلاذري , وكذلك الذهبي بعضا مما كتبة عروة عن المغازي .


الزهري:
أبي بكر محمد بن مسلم بن عبد الله ابن عبد الله بن شهاب – فهناك أيضا اختلاف في تاريخ وولاته . لكن يرجح انه ولد عام 51هـ (671م ) وتوفي عن 72 سنه في عام 124هـ (742م ) . وقد أخذ عن أعلام المحدثين الذين يقول عنهم ( أنهم بحور للعلم ) , ومنهم أستاذه عروة بن الزبير .
ويذكر انه قام ببحث واسع في المدينة عن أحاديث الرسول والصحابة , وساعده في ذلك مكانته الاجتماعية , وذاكرته القوية , واستعانته بالكتابة فقد كان يكتب كل ما يسمع من أحاديث .
ويقال انه كان يغشى المجالس , ويزور الأشخاص لهذا الغرض . ذكر عنه الذهبي : " انه كان يأتي المجالس من صدورها ولايأتيها من خلفها ).
واشتهر الزهري كمحدث وفقيه بالإضافة إلى كونه مؤرخا – قال عنه الطبري : " كان محمد بن مسلم الزهري مقدما في العلم بمغازي رسول الله (ص) وأخبار قريش , والأنصار , ورواية الاخبار عن رسول الله (ص) وأصحابه.

وقد وصلتنا مقتطفات من مغازي الزهري في ابن اسحق , و الواقدي , والطبري , والبلاذري . وقد حاول الدوري أن ينظم هذه المقتطفات , وتسلسلها تاريخيا ليصل إلى تصور تقريبي لهذه المغازي .
ويتضح منها أنه كتب عن :
بداية الخليقة , وإخبار الأنبياء الماضين , والأحداث التي شهدها النبي قبل الإسلام , وانتقل إلى دور الرسالة متحدث عن الفترة المكية من بدء نزول الوحي إلى بيعة ألعقبه , ثم الفترة المدينة من الهجرة فا لمغازي والسرايا , ثم رسائل وسفارات الرسول إلى هرقل وكسرى ثم يشير إلى حجة الوداع والمرض الأخير للرسول ووفاته وأثر ذلك .
وهكذا أعطى الزهري إطارا واضحا للسيرة النبوية . وقد راعى بصورة عامة التسلسل التاريخي للحوادث , وذكر بعض التواريخ – مثل تاريخ الهجرة و وتواريخ بعض الغزوات .

وهو يهتم إلى حد كبير بالإسناد وقد خطا خطوة هامه نحو الاخبار التاريخية المتصلة – حين اتخذ ( الإسناد الجماعي ) , وذالك بجمع عدة روايات في قصة متسلسلة يتقدمها رجال الأسانيد , وهو كذلك يكثر من ذكر الآية ألقرانيه التي تتصل بما يورد من أخبار .
وأسلوبه يتصف بالصراحة والبساطة , والتركيز , وقلما يلجأ للمبالغة , وكان يعتمد على ( الأحاديث ) , بينما نظر للقصص الشعبي على انه مادة للتسلية فحسب .
ويورد الزهري أحيانا بعض الأشعار المتعلقة بالأخبار التي يذكرها . وبالإضافة إلى المغازي – كتب الزهري في : الأنساب , وتاريخ صدر الإسلام , كما تناول فترة الخلفاء الراشدين فتحدث عن اختيار أبي بكر خليفة , وعن فترة خلافته , كما تحدث عن إنشاء ديوان الجند في عهد عمر بن الخطاب وعن بعض الأحداث في عصر , وعن خلافة عثمان , ثم تحدث عن الفتنة والانقسامات في المدينة , فنهاية عثمان وانتخاب علي , وعن النزاع بين علي ومعاوية ووقعة الجمل , ومعركة صفين , والتحكيم , والأحداث التي أدت إلى تنازل الحسن بن علي – ويبدو انه لم يعالج الفترة الأموية.
وهو بذالك يعرض لنا الأحداث الهامه – على الأقل – من وجهة نظر رجل من البارزين من رجال المدينة .

ويقال إن الزهري ذهب إلى دمشق لفترة في زمن يزيد بن عبد الملك , وان هشام ابن عبد الملك جعله مؤدبا لولده , وطلب إليه إن يملى الحديث لفائدة أولاده , " وخصص كاتبين ليصحباه ويحضرا دروسه , ليدونا أحاديثه , وقد وجدت جل تأليفه في خزانة كتب البلاط الأموي "
وهكذا يعتبر الزهري أول من وضع الخطوط الرئيسة لكتابة السيرة النبوية على أساس دراسة جديه , كما يذكر له دوره في ضبط أحاديث المدينة وروايتها . فإذا كان عروة بن الزبير رائد علم التاريخ فان الزهري مؤسس المدرسة التاريخية في المدينة .
من هذا العرض نستنتج ما يلي :

*إن أكثر كتاب السيرة والمغازي كانوا من أهل المدينة المنورة , لان أكثر أحداث السيرة من تشريع مدني , ومغازي النبي (ص) فيها , وكان من حوله من أصحابة أعرف الناس بتلك الإخبار , وبتدوينها .
*كانت السيرة والمغازي جزاء من الحديث يرويه الصحابة , وكان من بعدهم يرويها عنهم .
*سلك كتاب السيرة والمغازي مسلك المحدثين الأولين فمنهم من كان يعنى ب الإسناد , ومنهم من لم ينهج هذا المنهج باستمرار .
*كل ما ينطبق على الحديث من ناحية تقسيمه إلى أقسام باعتبار صحته , أو ضعفه ينطبق على السيرة والمغازي فيمكن تقسيم هذه الكتابات على نفس المنهج وبنفس المقاييس .

ثالثا – المدرسة العراقية ( في الكوفة , والبصرة , وبغداد )
تختلف في جذورها عن مدرسة المدينة , فقد كانت مقر الحاميات القبلية, وموطن التقاليد القبلية.
كان التنافس بين البصرة والكوفة بداية شديدا, ثم بعد قيام الدولة العباسية وبناء بغداد في أيام أبو جعفر المنصور واتخاذ بغداد عاصمة أصبح التنافس للعصبية والقطر ثم البلد.( تعصب العراقيين للعراق على حساب تعصب ,الحجازيين للحجاز....).من أمثلة ذلك:تاريخ بغداد للبغدادي.
على أن الإخباريين اهتموا بجمع الروايات القبلية علاوة على الاهتمام بشؤون العالم الإسلامي آنذاك. كتأليفهم لأخبار الشام والجزيرة العربية, كما حدث مع سيف بن عمر الذي تحدث عن الردة معتمدا على أصول شامية وحجازية في التدوين.
*يمكن ملاحظة الميل المذهبي لدى بعض المؤرخين العراقيين في تصانيفهم.
*اهتم أتباع هذه المدرسة بالنقد أحيانا عند ذكرهم لعدة روايات وبأسانيد مختلفة ومحاولة ترجيح كفة على أخرى, مستخدمين ما يتوفر من وثائق رسمية أو نصوص مدونة.
*امتاز أسلوب أتباع المدرسة بالسهولة وذكروا الأشعار في مدوناتهم.
*استخدموا أسلوب النقد الداخلي والخارجي للنص.
*اهتم أتباع المدرسة بجوانب أخرى مثل ( الصلة بين قريش والعرب, الأدب العربي , الرحلة في طلب العلم)

أشهر مؤرخي المدرسة في القرن الثالث الهجري :

ابن قتيبه ( المعارف): يتحدث عن تاريخ ألامه والشعوبية والعالمية للتاريخ.
البلاذري ( انساب الإشراف, فتوح البلدان):الجهاد ودور العرب التاريخي في ذلك.
اليعقوبي ( التاريخ).التاريخ العام رغم ميوله الواضحة.
الدينوري ( الأخبار الطوال): يظهر تأثير العراق وفارس على الكتابة ودورهم في الحكم العباسي.
الطبري ( تاريخ الأمم والملوك, جامع البيان في تفسير القرآن): الاهتمام الديني والنضج الروحي الذي وصلت إليه ألامه .

رابعا: مدرسة التاريخ في مصر والشام:

أساتذتها هم الصحابة والتابعين الفاتحين,
*فقد برز في مصر:
يزيد الازدي الذي اهتم بالأحداث المتعلقة بفتح مصر بأسلوب المحدثين في جامع الفسطاط بالإضافة إلى دور مدرسة الإسكندرية.
عبدالله بن عمرو بن العاص ( ت 65هـ).
الليث بن سعد .
عبدالرحمن بن الحكم.
أبو عمر الكندي .

أما في الشام فنذكر:
*الاوزاعي اشتهر بالحديث والفقه وكان له مذهب وانتشر مذهبه بالأندلس أيضا.ثم حل مكانه المذهب الشافعي في الشام ومالك في الأندلس.
*إن قيام الدولة الأموية في دمشق أسهم في جعلها منارة للعلم والعلماء إلى أن سقطت وقام مكانها الدولة العباسية.

خامسا: مدرسة التاريخ في قرطبة( الأندلس)( 92- 897هـ):
مرت دولة الإسلام في الأندلس بفترات حكم متوالية منها:
حكم الأمويين في الشام عقب الفتح ( موسى بن نصير – طارق بن زياد – عبدالرحمن الأموي الداخل – الدولة العامرية- ملوك الطوائف- المرابطين والموحدين, بنو الأحمر في غرناطة.
اتسمت الحياة الثقافية منذ نشأتها بالاعتماد على المشرق وقد حوت الخزانة الملكية في قرطبة أكثر من 400 ألف مجلد.
ظهر الاهتمام الكبير بالأشعار ( الأراجيز والموشحات وممن اهتم بذلك الإمام يحيى الغزال , تمام بن عامر الثقفي, ابن عبد ربه, ابن حزم ....)

من أشهر مؤرخي هذه المدرسة :
احمد بن محمد الرازي التاريخي ( مسالك الأندلس ).
ابن الفرضي ( تاريخ العلماء والرواة ).
ابن عبد البر ( الدرر في اختصار المغازي والسير).
ابن حيان القرطبي ( المقتبس في تاريخ الأندلس)
أبو عبدالله الحميري ( جذوة المقتبس ).
لسان الدين ابن الخطيب ( الإحاطة في أخبار غرناطة)
أبو العباس المقري ( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب).
ابن جبير ورحلته.
ابن بطوطه ورحلته .
الفيلسوف ابن رشد وابن زهر وابن باجه وابن البيطار وابن فرناس وابن خلدون وابن عربي.


الطريقة التي تناول بها العرب التاريخ:

*كان الاهتمام قبل الإسلام منصبا على الأيام والأشعار, فقد اتسمت تلك الروايات بالمبالغة والفخر وتمجيد البطولات.
*كتاب السير والمغازي ( جمع الروايات بسندها ومتنها وترتيبها وفق النظام الحولي بعد إخضاعها للجرح والتعديل
* وقد أشاد ابن خلدون في دقة أهل الحجاز في الإسناد , وعلى هذا الأساس ظهر الحديث الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمتصل والشاذ...
*بروز ظاهرة النقد والتحليل والتعليل وربط النتائج بالمقدمات.


المؤثرات التي أثرت على الكتابة التاريخية عند العرب:
*الظروف الاجتماعية والثقافية السائدة في شبه الجزيرة العربية. وما ترتب عليه من اهتمام بالأيام والأنساب.
*ظروف خاصة باليمن في الجنوب أو الحيرة في الشمال مع ما رافق ذلك من تحديات ومفاخرات.
*في المدينة المنورة ظهرت روح النقد في تدوين الأحاديث
*تأثرت الكتابة العربية بالمشكلات السياسية كالفتن والحروب وتبدل الولاة والخلفاء.
*انتقال مركز الثقل إلى العواصم الإسلامية بعد المدينة المنورة كدمشق وبغداد.

*في العراق انصب الاهتمام على الجانب القبلي مع عدم إغفال الجوانب الأخرى.
*التوسع النقدي في ظل وجود اختلافات عقدية( القدرية , الجبر ), والمذهبية أيضا.
*وفرت السجلات الرسمية ( الدواوين).
*انتقلت الكتابة التاريخية من الخصوصية إلى الشمولية في تدوين الأحداث التاريخية.
*الاهتمام بالموضوعية في التأليف وذلك بذكر المصادر الأولية كما فعل المقريزي الذي أشار إلى مصنفاته الأدبية وأساتذته ورأيه الشخصي. بخلاف الشهرستاني في الملل والنحل .
*الأمانة والدقة في النقل.

أبرز الموضوعات التي تناولها المؤرخون العرب:
السيرة النبوية
الحوادث الإسلامية( معارك , حروب).
الأنساب.
تاريخ الأمم الأخرى كالفرس والروم.
تاريخ الأديان الأخرى ( يهوديه , نصرانية).
تراجم الرجال.
الأخبار ( الإخباريون).
عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 5 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة الرابعة
التاريخ بين العلوم الأخرى
تطور الدراسة وابحث التاريخي:
العلل المباشرة لم تعد الأسباب الحقيقية للأحداث:
رأينا كيف تطورت الكتابة التاريخية فلم يقتصر الأمر على مجرد ترديد للقصص أو بسط للوقائع التي كان العالم مسرحاً لها – لكن أصبح من الضروري دراسة العلل المباشرة للأحداث , ثم بحث العوامل العامة التي كانت ذات أثر في تكوينها زمناً طويلا , فحوادث التاريخ لا تقع فجأة لكنها في الحقيقة نتيجة سلسلة طويلة من الوقائع , وإن كانت عللها المباشرة تبدو كأنها هي الأسباب الوحيدة للأحداث .
فإذا قصرنا بحثنا مثلا – عن أسباب الحرب العالمية الأولى – على الأسباب المباشرة , وعلى تتبع المفاوضات الدبلوماسية التي انتهت بانقضاض بعض الأمم الأوربية الكبرى على بعض – لحكمنا على أن الأقطاب الذين انتهى بهم المطاف إلى الحرب قد أصيبوا بالجنون . فالأسباب المباشرة لا يمكن أن تبرر قيام الحرب – لكن الأمر في حقيقته غير ذلك فهو يرجع لسلسلة من العلل البعيدة التي كانت في قوتها أشد من أرادة هؤلاء الساسة .
فالمؤرخ إذاً لابد أن يبحث عن هذه العلل المتعددة الخفية البعيدة في زمنها عن زمن الأحداث ذاتها .

المؤرخون يبحثون في دور الانسان في الاحداث التاريخية:
نعم لم يصبح المؤرخون يقتصرون في تفسيرهم للأحداث على أن قدرة ربانية قاهرة كانت توجه الأمور , وتنظيم مصير المعارك فلا تقع أية حادثة خارج إرادتها . فمع الإيمان بهذه القوة الربانية العظمى – فإننا نبحث أيضاً في دور الإنسان في الحوادث التاريخية . فلم يصبح مبدأ (القدرية) وحده مقبولا في تفسير أحداث التاريخ – فقد انقضى العصر الذي كان فيه ينظر إلى الأحداث التاريخية من الوجهة اللاهوتية فحسب .

الاختلاف على وضع التاريخ :علم أم أدب أم فن ؟
هل هو علم ؟
وإذا كان كذلك فإلى أي أنوع العلوم ينتمي ؟
أم أن التاريخ فن أو أدب ؟
وبالطبع أدى هذا لسلسلة أخرى من التساؤلات مثل :
ما الذي يبحث فيه التاريخ ؟
ما هو موضوعه ؟
ما هي أهدافه؟
ما الفائدة من دراسته وتدريسه ؟
ما الشروط اللازم توفرها فيمن يتعرض للبحث التاريخي ؟
هل يحتاج هذا الباحث للتزود بقدر من المعرفة في علوم أخرى ؟
ما هو المنهج الذي يتعين أن يتبعه الباحث في التاريخ ؟

وسنحاول في الفصول التالية الرد على التساؤلات وغيرها مما يثار حول (التاريخ) .

اختلف رجال العلم والتاريخ والأدب في وضع التاريخ وفي نسبته إلى أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية , فذهب الأستاذ وليم استانلى جيفونز (1835-1882) الأستاذ بجامعة لندن في كتابه "أصول العلم" إلى أن التاريخ لا يمكن أن يكون علماً , عن إخضاع الوقائع التاريخية لما يخضعها له العلم من المادية والمشاهدة والفحص والاختيار والتجربة وبذلك لا يمكن في دراسته استخلاص قوانين علمية يقينية ثابتة على نحو ما هو موجود بالنسبة لعلم الطبيعة أو علم الكيمياء مثلاً . فقيام عنصر المصادفة , ووجود عنصر الشخصية الإنسانية . وحرية الإرادة , مما يهدم الجهود الرامية إلى إقامة التاريخ على أسس علمية , على نحو ما يفعل علماء الطبيعة أو الكيمياء أو ....

وهكذا لخص جيفونز الأسباب التي من أجلها أستبعد التاريخ من زمرة العلوم فيما يلي :
(أ) الاختيار والتجربة أمران غير ممكنين في الدراسة التاريخية .
(ب) كل واقعة من وقائع التاريخ قائمة بذاتها , ولا يمكن أن تتكرر ظروف وقوعها .
(جـ) لا يمكن الوصول في التاريخ إلى شىء من قبيل (التعميمات) أو (القوانين العلمية) .
وختم هذا العالم الإنجليزي تحليله هذا بقوله :
" فمن السخف إذا أن نفكر في التاريخ على أنه علم بالمعنى الصحيح ".

وقد أيد هذا الاتجاه كارل . ر . بور في كتابه "عقم المذهب التاريخي" فقد أوجز أدلته على كذب المذهب التاريخي في النقط الخمس الآتية :
1- يتأثر التاريخ الإنساني في سيره تأثيراً قوياً بنمو المعرفة الإنسانية .
2- لا يمكن لنا بالطرق العقلية أو العلمية أن نتنبأ أن بكيفية نمو معارفنا العلمية .
3- إذن فلا يمكنا التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني .
4- هذا معناه أننا يجب أن نرفض إمكان قيام علم تاريخي اجتماعي يقابل علم الطبيعة .
5- إذن فقد أخطأ المذهب التاريخي في تصوره للغاية الأساسية التي يتوسل إليها بمناهجه .

هذا ويرى آخرون أن التاريخ نوع من الأدب فهو يعنى بالتدوين القصصي لمجرى الأحداث . والقصة بلا شك هي من أبواب (الإنشاء الأدبي) .
والإنشاء الأدبي فن , والأمر يحتاج إلى براعة الكاتب ليبرز لنا القصص التاريخية والأحداث في ثوبها اللائق .
لكن المؤرخ الإنجليزي بيوري أستاذ التاريخ الحديث بجامعة كمبردج يذهب إلى "أن التاريخ علم لا أكثر ولا أقل" .
وقد نحا هذا النحو عدد كبير من المفكرين القدماء والمحدثين من أمثال هيراقليطس , وأفلاطون , وهيجل , وماركس , وأوجست كونت , وشبنجلر , وكارل ملنهايم , وأرنولد توينبى – فاعتبروا التاريخ علم يهتم بتتبع تطور المجتمع في الفترات المتعاقبة .

وقد ذهب كونت إلى حد القول "إنني سأقدم برهاناً فعلياً على وجود قوانين محددة للأحداث المرتبطة بارتقاء وتطور العنصر الإنساني , كما توجد قوانين لسقوط الحجارة ....." .

الرد على القائلين بأن التاريخ ليس علما:
ولعل المعركة كما يذكر الأستاذ هرنشو تنفض إذا وصلنا لتعريف سليم للفظي (علم) و (تاريخ) .
فلو عرفنا العلم بأنه " المعرفة المنظمة المبوبة المقننة " – وأن صفة العلم يمكن أن تطلق على " كل دراسة تهدف لتوخي الحقيقة , والوصول إلى حكم قائم على النقد , مع البعد عن كل هوى النفس , وكل افتراض سابق ... على أن تقوم هذه الدراسة على الأمور الثلاث : التصنيف , والتبويب , والتقنين " .
أو إذا أخذنا بقول الأستاذ ت هيكسيلي " إن العلم هو كل معرفة تقوم على الدليل والاستنباط " .
إذا أخذنا – بهذه التعريف – فليس ثمت مسوغ لأن نتعجل إسقاط التاريخ من عداد العلوم .
ويقول شارل سينوبس المؤرخ الفرنسي " التاريخ علم ما في ريب – فهو علم الوقائع التي تتصل بالأحياء من الناس في مجتمع خلال توالى الأزمنة في الماضي – وهو يدخل في عداد العلوم الوصفية " .
والتاريخ – كما يقول هرنشو – " يقوم على أصول تضارع قيمتها على أقل تقدير – ذرات الكيماوي النابضة , والكترونات الفيزيقي الراوغة – أن التاريخ يبحث في الفعل ورد الفعل الصادرين عن إنسان غير متغير أصلاً , وعن بيئة غير متغيرة أصلاً "

.مدارس علم التاريخ:
فإذا أخذنا التاريخ بمعنى ( البحث ) أو الاستقصاء بهدف الوصول إلى الحقيقة التي من وراء الأحداث فبهذا المعنى يكون التاريخ علماً .
لكن من أي أنواع العلوم يعتبر التاريخ ؟
إنه ليس كالفلك – علم معاينة مباشرة , ولا كالكيمياء علم تجربة واختبار – لكنه علم نقد وتحليل .
وهو كما يذكر – هرنشو – أقرب العلوم الطبيعية إلى ( الجيولوجيا ) فكما أن الجيولوجي يدرس الأرض كما هي الآن ليعرف – إذا أمكنه ذلك – كيف صارت إلى حالتها الحاضرة – فكذلك المؤرخ يدرس الآثار المختلفة عن الماضي ويحاول أن يفسر بواسطتها وبقدر إمكانة ظاهرة الحاضر .
وكما أن الجيولوجي يجد مادته الأساسية فيما حفظ من بقايا الطبيعة من أدلة قليلة تثبت التطورات الجيولوجية القديمة – فكذلك المؤرخ يعتمد في معرفة الوقائع الماضية على آثار مادية أو سجلات أو تقاليد أن الكثير من الأفعال الإنسانية سواء في ميدان السياسة أو الفلسفة أو الدين أو الفن لا تمثل إلا الجانب الخارجي من الإنسان_ أما الحياة الباطنية فإنها لا تظهر نفسها إلا بعد النفاذ وراء هذه الأفعال لاختبار طبيعتها .

العوامل النفسية التي قد تؤثر في شخصية أحداث التاريخ:

فهناك أيضاً اندفاعات الحياة العاطفية اللاشعورية. وكما يقول_ غوستافلو لوبون _ ((أن العديد من المنازعات التي تزعج حياة الأمم وتسيطر على تاريخها _ مرجعها إلى الحياة الغريزية التي تولد الشهوات، وسيبقى الأمر، ولا ريب هكذا حتى اليوم الذي ستتخلص الإنسانية فيه من الحياة اللاشاعرة الوراثية فتبلغ من التطور الكافي ما يكون العقل فيه مسيطرا ولم تبلغ هذه المرحلة بعد ولذلك يشتمل التاريخ على قليل من الحوادث التي أوحى بها العقل المحض)) .
ولعل من الأمثلة القوية لذلك الدوافع وراء الاستعمار الأوربي في العصر الحديث فلا شك في أن الدوافع النفسية أو الغريزية من حب العظمة وحب التظاهر، والرغبة في التقليد والمحاكاة، وغير ذلك من العوامل_ كانت من العوامل التي دفعت الشعوب ثم الحكومات للعمل على بسط نفوذهم على مساحات واسعة من الأرض لم تكن خاضعة لها_ فالشعوب والدول تتكون من مجموعة أفراد تتحكم فيهم وتسيرهم الغرائز الطبيعية للإنسان .
على أن التاريخ وان كان في بداية عهده قد قصر اهتمامه على الشئون المتعلقة بالملوك، والطبقة العليا من المجتمع كالقواد والوزراء _ حتى أن البعض عرفه بأنه مجموعة من السير المختارة المتعلقة بطبقة معينة من المجمع _ فانه كان لابد أن يطور ميدانه بعد أن رسخت أقدام الديمقراطية.
لذلك اتجه عدد غير قليل من المؤرخين إلى الاهتمام بحياة الشعوب فلم تصبح السياسة، وما تقوم به الحكومات هي مجال التاريخ وأصبح القول ((بأن التاريخ هو سياسة الماضي، والسياسة هي تاريخ الحاضر،_ لغو لا قيمة له.
لذلك نجد المؤرخ الانجليزي لورد (أكتن) في عام 1895 ينتقد بشدة تركيز المؤرخين على الناحية السياسية واهمالهم ما يتصل بالجماهير وافكارهم فيقول (( أن اختصاصنا تناول ما هو أبعد مدى من شؤون الساسة، وهو غير خاضع لتشريع الحكومات. إن من واجبنا أن نحيط بحركات الأفكار التي هي علة الحوادث العامة لا نتيجتها، وأن نجعلها نصب أعيننا دائماً)).

وهذا وقد حاول فولتير القيام بكل هذا في كتابه (عصر لويس الرابع عشر) كذلك في كتابه (مقال عن العادات Essai sur Les moeurs ).
ومع هذا فحتى نهاية القرن التاسع عشر ظل كثيرون لا ينظرون للتاريخ الحضاري نظرتهم للتاريخ السياسي، وذكر البعض أن هذا النوع من الكتابة والدراسة التاريخية يجب ألا تكون إلا مجرد إشارات عابرة أثناء دراسة التاريخ السياسي باعتباره الأصل.كذلك ركزت مدرسة أخرى من علماء النفس الاجتماعيين بزعامة كارل لمبرخت المؤرخ الألماني ( 1856 _ 1915 ) على ما أشرنا إليه سابقا من دوافع غريزية ونفسية وراء أحداث التاريخ.
والحقيقة التي انتهى اليها المعتدلون من المؤرخين اليوم هي أن عاملا واحدا لا يكون أن ينفرد بتفسير الظواهر المتعددة وأحداث المجتمع التي لا شك في أنها محصلة العديد من العوامل.
على أننا نشير _ ونحن في مجال بحث وضع التاريخ بين العلوم الأخرى_ إلى أن محاولة بعض المؤرخين في القرن التاسع عشر الزج بالتاريخ في زمرة العلوم الطبيعية _ أدت إلى
الوقوع في أخطاء لا مبرر لها من حيث طريقة البحث التاريخي وتعميماته _ فلا شك في أن التاريخ:
من حيث طرائقه علم نقد لا علم ملاحظة وتجربة، وفي هذا يختلف عن العلوم الطبيعية.
أما من حيث تعميماته _ فإن التعميم في التاريخ قد يؤدي إلى نتائج خادعه بعيدة كل البعد عما يمكن أن نطلق عليه لفظ (قانون).
فالتعميم كمنهج تاريخي يؤدي إلى أحكام متناقضة تجعل الحقيقة أمراً يصعب تمييزه.
على أن القول بأن التاريخ لا يمكن الزج به في زمرة ( العلوم الطبيعية) أثار تساؤلا آخر هو:
ما هي إذا فوائد التاريخ للفرد وللمجتمع؟ أو بمعنى آخر _ لماذا نهتم بتدريس التاريخ لأبنائنا؟ وما الذي نهدف إلية من وراء ذلك؟
وهل تحقق دراسة التاريخ هذه الأهداف المرجوة؟
ذهب البعض _ وفي مقدمتهم _ الفيلسوف البريطاني كيرد (1825_ 1908) إلى القول ((بأن المعرفة التي لا ترتفع عن مستوى الوقائع والجزئيات، والتي لا يربط بين أجزائها قانون من القوانين _ لا تعتبر (( أداة صالحة للتعليم)). ويرى كيرد أن للتاريخ بعض الفوائد، فهو يعطينا تصورا صحيحاً للأشياء العارضة الموقتة بالقياس للأشياء الأبدية الباقية في حياة الإنسان.
لقد كان التساؤل هو: اذا كانت الحوادث لا تتكرر، وكان من المستحيل الوصول إلى تعميمات تنتظم الظواهر التاريخية _ فما الفائدة التي يمكن أن تأتي من دراسة التاريخ؟
لا شك في أن دراسة التاريخ تحقق العديد من الفوائد يمكن أن نجملها فيما يلي:

أولا _ قيمة التاريخ في تربية الفرد:
يرى البعض أن دراسة التاريخ تنشط الفكر وتشحذ الذهن، فالتاريخ اداة لرياضة العقل. بينما يرى آخرون أن دراسة التاريخ _ دون سواها أصلح الدراسات لتعويد الإنسان الفضائل الخاصة والعامة .. وقليل من الناس من يعارض اليوم في وجوب الاستفادة من دروس وعبر التاريخ لإلقاء دروس في الأخلاق، خارجة عن نطاق البحث التاريخي ذاته.

ثانياً _ قيمة التاريخ لرجال السياسة:
تتخذ بعض الدول من التاريخ الذي يدرس في المدارس وسيلة لنشر المبادئ التي تؤمن بها، سواء اكانت تقديسا للملكية أو الجمهورية، أو المبادئ البلشفية أو الفاشستية أو غير ذلك.

هو مدرسة لتعليم طريقة البحث السياسي:
فالتاريخ والسياسة علمان اجتماعيان نغميان، وكلا من السياسي والمؤرخ لا مندوحة له عن الاستنباط من وقائع غير متيقنة وأسباب ليست معروفة تماما.
فالمؤرخ عند شروعه في بحث حادثة معينة لا سبيل أمامه للوصول إلى الحقيقة المطلقة الثابتة، وكذلك الشأن في السياسة، فليس فيها شيء ثابت مستيقن.

التاريخ مستودع للأحداث السياسية السابقة:
فالإنسان عندما يبلغ سن النضج تهدية تجاربه السابقة التي تعيها ذاكرته في سلوكه الحالي، والجنس البشري بالمثل، لكن التاريخ هو ذاكرة الجنس البشري،
وقد عبر الفيلسوف والمؤرخ البريطاني دافيد هيوم (1711_ 1776) عن ذلك بقوله: ((اذا تأملنا قصر حياة الانسان، ومعرفتنا المحدودة حتى بما يقع في زماننا _ فلا شك في أننا شعر بأننا كنا نبقي أطفالا في إدراكنا لو لم يقيض لنا هذا الاختراع الذي يرجع بخبرتنا إلى جميع العصور الماضية، وإلى أقدم الأمم الخالية، أن الرجل المطلع على التاريخ يمكن أن يقال عنه من بعض الوجوه (( أنه يعيش منذ بداية العالم..)).

التاريخ أساس التقدم السياسي:
فالتاريخ يمد السياسي بأكثر من سابقة تمت تجربتها، ويوقفه على الأصول الواقعية لمشاكل الوقت الحاضر، فكل المشاكل الكبيرة القائمة في وقتنا الحاضر سياسية كانت أو اجتماعية لها تاريخ بعيد.
فلا يمكن للسياسي فهم حقيقة المشكلة التي تعترض له أن لم يفهم ويدرس أصولها القديمة.

ثالثا_ التاريخ كفرع من فروع الدراسات الاجتماعية:
لم يعد التاريخ ينظر إليه النظرة الضيقة التي أخذ بها بعض قدماء المؤرخين_ فاعتبروا مجاله دراسة شؤون الحكومات، والحروب والشؤون المتعلقة بالإدارة، والدبلوماسية فحسب _ بل أصبحت للتاريخ مجالات أخرى أوسع، ولعلها أهم من شؤون الحكم والإدارة والسياسة.
لقد أصبح ينظر للتاريخ على أنه فرع من عائلة كبيرة هي ( الدراسات الاجتماعية)، ولذلك فانه تربطه بأفراد هذه العائلة روابط وثيقة. ومن هنا كانت صلة التاريخ بعلم الاقتصاد والجغرافيا والانثرويولوجيا ( علم الانسان)، وعلم الآثار وغيرها .
وفي ختام الحديث عن أهمية التاريخ والبحث التاريخي أشير إلى ما ذكره الدكتور شارل مالك أن العلوم الانسانية في عصرنا هذا اما أنها أهملت لحساب العلوم الطبيعية وللإغراءات التكنولوجية، أو طبقت طريقة هذه العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية في تعسف وضيق نظر _ ويتساءل:
ماذا ينفع الإنسان لو فهم أسرار الطبيعة جميعها وسخر قواها كلها ولم يعرف مع ذلك نفسه؟
ماذا ينفع الإنسان لو ضيع عقله الجزئي والحسي والسطحي والعابر والحسن، ولم يتحرق في قلبه إلى الأشد حسنا، والأشد أصالة وعمقا والأشد شمولا وكيانا؟

عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 6 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة الخامسة
العلوم الأخرى الوثيقة الصلة بعلم التاريخ
العلوم الخادمة ( المساعدة) لدراسة التاريخ:
درسنا في السابق أن علم التاريخ فرع من فروع الدراسات الاجتماعية , علاوة على ارتباطه الوثيق بالعلوم المساندة الأخرى التي يحرص المؤرخ على الإلمام بها لإكمال الصورة التاريخية قدر الإمكان.وسنتحدث عن هذه العلوم وصلتها الوثيقة بدراسة التاريخ ومنها :

الجغرافية ,العلوم السياسية والنظم الدستورية, الاقتصاد, علم الإنسان, علم الآثار , المسكوكات, الوثائق , فقه اللغة. الأختام والأحبار والأقلام, علوم القران والتفسير والفلسفة....

علم الجغرافية :
فالظواهر الجغرافية كالسطح والمناخ والنبات وغيرها عظيمة الأثر في الأحداث التاريخية .
فإذا كانت الجغرافيا تعتني بالأرض وما يرتبط بها من الظاهرات المختلفة , فان التاريخ يهتم بالإنسان الذي يعيش على هذه الأرض , وتؤثر فيه بظاهراتها المختلفة كما يؤثر هو فيها , فهي مسرح الأحداث والإنسان هو الممثل على ذلك المسرح.
لقد قامت العديد من الحضارات حول مجاري اكبر الأنهار في العراق ومصر, حيث وفرت الأنهار البيئة الملائمة للسكن والعمل بالزراعة ومن ثم الاستقرار بعد تحدي الطبيعة واستجابتها .
وهناك بيئات طاردة للسكان , مثل المناطق الحارة الصحراوية أو الباردة الثلجية , وهذا من شأنه أن يؤثر في دفع السكان للرحيل وعدم الاستقرار فتمثل بيئة طاردة للسكان.
لعل مصر تمثل أنموذجا حضاريا على الارتباط التاريخي الجغرافي عبر عصورها المختلفة , فهي تقع على الركن الشمالي الغربي من القارة الإفريقية وتطل على البحر المتوسط شمالا والبحر الأحمر شرقا قبل حفر قناة السويس , لذلك كانت على اتصال دائم مع حضارات الشرق القديم مثل الفينيقية والإغريقية والرومانية , كما أن الصحراء الغربية في مصر مكنتها من التصدي مرارا للفاطميين والهجمات الاستعمارية..
لقد كان لموقع مصر الفريد وتحكمها في طرق التجارة بين الشرق والغرب عبر الأحمر والمتوسط أثره في ثراء وقوة دولة المماليك الحاكمة فيها , وبعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح اثر ذلك الاكتشاف الجغرافي في ضعف وتزعزع قوة المماليك.
وتأثر تاريخ مصر الحديث بهذا الموقع الفريد بعد حفر قناة السويس التي غدت مطمعا للاستعمار الأوربي الانجليزي والفرنسي .
ولنقس ذلك على التطور التاريخي ل ( عدن – جبل طارق- الجزائر-).

علم الاقتصاد:
من اشد العلوم لزوما للمؤرخ فقد فسر كل من ماركس وانجلز التاريخ تفسيرا اقتصاديا محضا.ورغم المبالغة في ذلك فلا شك أن العوامل الاقتصادية لعبت دورا بارزا في حياة الإنسان وتاريخه.
* ففي العصور القديمة كان العامل الاقتصادي من ابرز العوامل في حياة الإنسان الذي يسعى جاهدا لتوفير قوته اليومي .اذ تدرج من
الالتقاط – الرعي – الزراعة- الصناعة ... .
* أصبح مقياس حضارة الإنسان بمدى تقدم استغلاله لما تقدمه له البيئة من إمكانيات ومدى تغلبه على العقبات التي تواجهه.
* من الأمور المؤثرة أيضا عوامل الإنتاج الزراعي والصناعي.
* الأنظمة الاقتصادية والطبقية وما ينتج عن اختلال المجتمعات( الرأسمالية - ..).
* الحروب والاستعمار الأوربي.
*البترول .
* التبادل التجاري بين الدول وأثره على العلاقات الاقتصادية.

علم الإنسان ( الانثروبولوجيا)وعلم الآثار ( الاركيولوجيا) :
فهما يلقيان الضوء على حياة الإنسان الأول وحضارته وعلى العلاقات والعادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الإنسانية أو التي كانت سائدة ودلالتها على ما كان بين هذه المجتمعات وغيرها من المجتمعات الأخرى من علاقات وروابط تاريخية.


علم المسكوكات والنميات:
مثل النقود بما تحمله من كتابات وصور للملوك والحكام , فتاريخ ضرب النقد بينت تاريخ حكم الملوك والأمراء والخلفاء, كما أن بعضها ضربت في مناسبات تاريخية معينة فكانت ذات دلالة عليها.

علم الوثائق:
الوثيقة : هي المصدر الأصلي الذي يعتمد عليه الباحث التاريخي أو المادة الخام التي يصوغ منها نسيجه, فالاستفادة منها يستلزم الفرد القدرة على قراءة الوثيقة , والتحقق من صحتها , وذلك يتطلب معرفة اللغة التي كتبت بها الوثيقة والخط الذي كتبت به , وطريقة الكتابة المتبعة في ذلك العصر والأسلوب المستخدم في الكتابة.
الأختام:
التي استخدمت في ختم الأوراق الرسمية ( السجلات والدواوين), والشيفرة حديثا.

الخطوط:
ان دراسة الخطوط المختلفة المستخدمة في عصر من العصور وتطورها ومميزاتها تفيد في الحكم على سلامة الوثيقة من عدمه , وهذا يهم الباحث التاريخي في المقام الاول.
اللغة:
يحتاج المؤرخ للإلمام باللغة التي كانت سائدة في العصر الذي يدرس تاريخه أو الدولة التي ارتبطت بهذا التاريخ , فمثلا الباحث في التاريخ العثماني عليه أن يلم باللغة التركية. وكذلك من يكتب عن تاريخ العراق القديم عليه أن يلم باللغة الفارسية.
إذن يحتاج الباحث في التاريخ إلى الإلمام بالعلوم الموصلة على اختلافاتها .

عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 7 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة السادسة
الصفات الواجب توفرها في المؤرخ
بعض الصفات الواجب توفرها في المؤرخ:
البحث التاريخي ليس بالأمر السهل اليسير , فهو يتطلب أن تتوفر في المؤرخ شروط قد لا يستلزم توفرها في غيره ممن يتعرضون لألوان أخرى من الكتابات الأدبية مثلا أو البحوث في مجالات أخرى .
فمن الصفات الأساسية التي يجب أن تتوفر في المؤرخ – أو ما أطلق عليه المؤرخ الألماني تيودور مومس " بالسلوك الخاص بالباحث في مجال التاريخ "

الجلد والصبر :
فالباحث في ميدان التاريخ يحتاج للسعي وراء المعرفة مهما تكبد من جهد ووقت , فهو يواصل البحث في دور الوثائق ، ويطلع على العشرات منها وقد لا يجد فيها ما يضيف جديداً أو يخدم بحثه , ومع ذلك فيجب ألا ينتابه اليأس بل يتابع البحث طالما هو يسير في الطريق السليم ، ونفس الشيء قد يحدث فيما يتعلق بالعديد من المراجع التي يلزمه أن يرجع إليها لتناولها العصر الذي يبحث فيه أو صلتها بالموضوع الذي يكتب عنه ، وقد يطوى عشرات الصفحات فلا يكاد يجد جديداً يخدم موضوعه . والبحث في الوثائق الأصلية بأوضاعها الحالية ولغتها ، وطريقة كتابتها الخ ... يحتاج إلى صبر وأناة في محاولة لحل غموضها أو معرفة مدلولها أو ظروف صدورها ..
ومن يستعجل الوصول إلى المعلومات التي تخدم بحثه يخطئ في الحقيقة لأن هذا سيكون بلا شك على حساب الدقة المطلوبة .
يضاف إلى هذا أن الوثائق نفسها ليست غالباً تحت أيدي الباحثين فهي مبعثرة هنا وهناك في دور المحفوظات , والباحث عليه أن يسعى إليها حيث هي ، وألا يهمل منها شيئاً مهما كان بعيد المنال ومهما تطلب الوصول إليه من جهد ومال ووقت – فالمطلوب من الباحث أن يلم بكل ما هو متعلق ببحثه من وثائق أو كتابات غير منشورة أو منشورة .
ويشير أنجلو وسينوبوس إلى ذلك بقولها :" أن الفضيلة الأساسية في المؤرخ هي الصبر .. لا تشتغل بسرعة , وأعمل وكان في الإبطاء فائدة دائماً .. هذه نصائح سهل قولها , أما إتباعها فيحتاج إلى مزاج رصين – فالناس العصبيون الشديدون الانفعال المتعجلون دائماً – للانتهاء – يمكنهم أن يعملوا عملاً حسناً في مهن أخرى غير البحث التاريخي " .
" إن الباحث في مجال التاريخ – كما يذكر يجب أن يطرد من ذهنه أن البراعة يمكن أن تعوض عن المعرفة وأن العمل الرديء السهل بشيء من البراعة يمكن أن يحل محل العمل الجيد "

السعي وراء الحقيقة:
ويذكر المؤرخ الألماني فون رانكه أنه يجب أن يكون شعار المؤرخ " اعمل – ولا تتكلم " فوظيفة المؤرخ – في رأى هذا المؤرخ " هي بذل كل جهد سعياً وراء الحقيقة , ليس التذرع بالزخارف الخطابية , فالمؤرخ عليه أن يدرك أنه مطالب بأن يستخرج الحقيقة من وسط الأحداث الغامضة" ويقول " يجب ألا ينفر المؤرخ من غموض العالم المتغيره , بل عليه أن يتعلم كيف يرتاد الظلام , وأن يرى الواقع من خلال الأحداث الغامضة "
الدقة والامانة:
كذلك يجب أن يتصف المؤرخ بالدقة الكاملة , والأمانة في عرض وجهات النظر المختلفة , وكما سنرى فيما بعد انه مطالب بأن ينسب كل رأى لصاحبه ولمصدره دون التواء أو محاولة إخفاء شيء من الحقيقة .
وإذا اهتزت ثقتنا في الباحث في التاريخ مرة واحدة اهتزت الأرض من تحت أقدامه ، وأصبح معرضاً للشك في كل ما يقوله وما يورده من أفكار وآراء .

الحياد والنزاهة:
وهناك مشكلة تثار دائماً .. هل يقدم المؤرخ الناحية القومية , وما تطلبه منه من آراء معينة على الحقيقة إذا حدث تعارض بين الاثنين أم العكس ؟.
والواقع إننا نتطلب من المؤرخ الحيدة الكاملة والنزاهة التامة , فهو يورد الحقائق مستندة إلى مصادرها الأصلية وحين يتعرض للتحليل أو التعليل يجب أن يلتزم بالمنطق والأسلوب العلمي الذي يبني النتائج على علل وأسباب سليمة بحيث لا تتعارض النتائج مع المقدمات .

عدم استخدام التعاميم المسبقة:
والمؤرخ يجب ألا يكون له رأياً مسبقاً في الأحداث ثم يحاول بعد ذلك أن يجمع الأدلة والبراهين على صحة هذا الرأي , فلا شك في أن هذا الاتجاه سيؤدى إلى الانزلاق والخطأ , بعكس لو جمع المعلومات عن الحادث الذي يتعرض له من مصادر الأصلية , واستعرض مختلف الآراء التي كتبت عن هذا الحادث محاولاً تحليلها والوصول في ضوء كل ذلك إلى الرأي المرجح الذي يرتاح هو إليه , ويعتقد انه – في ضوء كل المعلومات المتاحة له – هو الرأي السليم .
ويعبر المؤرخ الألماني فون رانكى عن ذلك بقوله " إن عدم محاولة المؤرخ السعي وراء الحقيقة المجردة خطيئة فادحة , انه ضعف في إرادة المعرفة " – وأشار إلى وجوب الفصل بين الأمر الشخصي والواقعي , ووجوب الالتزام بالموضوعية التاريخية . كما عبر عن ذلك أيضاً الفيلسوف الألماني جوتيه بقوله : " إن المؤرخ يجب أن يتصف أولاً وأخيراً بحب الحقيقة " .

الالتزام بالحقيقة المجردة:
لكن مهما يكن الأمر فاتنا في الوقت الذي نطلب فيه من المؤرخ الصدق الكامل في إبداء الرأي والالتزام بالحقيقة المجردة – لا نستطيع أن نجرده من العوامل القومية .. أو المصالح الوطنية التي قد تؤثر عن قصد أو غير قصد – في كتاباته وآرائه التي ينتهي إليها .
نضرب مثلا بكتابات وآراء بعض الكتاب عن دور بلادهم في أفريقيا وغيرها من المناطق التي كانت ميداناً لاستعمارهم – فمثلا سيسل جون رودس المستعمر البريطاني – الذي أضاف بجهوده ووسائله للإمبراطورية البريطانية أجزاء هامة في جنوب أفريقيا ووسطها – نجده يبرر هذا العمل – كما برره غيره من دعاة الاستعمار . بأن الجنس الأنجلو سكسوني عليه رسالة وواجب تجاه هذه الشعوب لنشر الحضارة فيها .وبالغ هؤلاء في دور دولهم الحضاري وتجاهلوا الحضارات التي كانت للشعوب الأفريقية قبل مجيء الاستعمار , وصوروا عمليات الاستغلال الهدام التي قامت بها الدول الاستعمارية لاستغلال الثروات الأفريقية دون محاولة للنهوض بالأفارقة أنفسهم – أصحاب البلاد الأصليين – على أنها عمليات اقتصادية حضارية بناءة , وصوروا ما قامت به الشركات والحكومات الاستعمارية من مد خطوط السكك الحديدية مثلا من مناطق الإنتاج الصناعي إلى الموانئ ومناطق التصدير دون مراعاة للكثافة السكانية ولمصالح السكان على أنها أعمال عمرانية لا مثيل لها , ولم يشيروا لما أصاب الأفارقة وثقافاتهم ومدنيتهم ونفسياتهم وثروات بلادهم من أضرار وتناسوا عامل الزمن وغيره فأبرزوا النتائج العمرانية وما تم في مجال الثقافة والطب والعلاج .. كأنها أعمال بطولية متناسين السنوات الطويلة التي انقضت وما كان يجب أن يتحقق فيها من تقدم حقيقي وتعمير .

اليقظة التامة:
ولذا فالباحث مطالب دائماً باليقظة حين يرجع لكتابات هؤلاء الكتاب , ويجب أن يكون ملماً بحقيقة الكتاب , الذي يرجع له , وثقافته وميوله واتجاهاته الخ ...

النقد والتحليل:
والاعتماد على الوثائق الأصلية ومحاولة تحليلها يجنب الباحث من الوقوع في كثير من الأخطاء , ولذا يجب أن تكون لدى الباحث ملكة النقد والتحليل , أو ما يمكن أن نعبر عنه (بفن نقد وتحليل المصادر) أو كما قال الفيلسوف الفرنسي تين "القدرة على التفسير " .
ويعبر البعض عن هذا "بأنه مطالب بأن يقرأ ما بين السطور , والمقصود من ذلك هو أن الباحث لا يجب أن يقرأ الوثيقة أو المادة العلمية قراءة سريعة عابرة كمن يقرأ صحيفة يومية لمجرد معرفة الأخبار العامة فلا تكاد تستوقفه سوى بعض العناوين البارزة في الصحيفة اليومية – لكن كل لفظ أو عبارة يقرأها تستوقفه للتساؤل والبحث عن مدلولها , والمقصود منها سواء ذكر صراحة أو لم يذكر والدوافع من ورائها .. هذا على أن يضع في الاعتبار أن للدبلوماسيين ورجال السياسة والكتابات الرسمية من العبارات ما قد لا يكون مدلولها الحقيقي واضحاً في ذهن القارئ العادي".

ظهور شخصية الباحث:
ويذهب المؤرخ هردر إلى " أن المؤرخ هو الذي يرى في التاريخ ليس مجرد المجرى الخارجي للأحداث , بل يسعى بدلاً من ذلك لرؤية روحه , وهو وحده الذي يستطيع أن يكتشف الروح الكامنة وراء أحجبتها وأقنعتها " .
" أن المؤرخ – كما يقول – بخلاف المنطق فمهمته لا تقتصر على المظاهر فحسب . بل أنه يعلو عليها " .

الاستدلال:
كذلك يجب أن تكون لدى المؤرخ ملكة الربط بين الأحداث المتعددة , وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الألماني فون همبولت بقوله " أن مهمة المؤرخ في الواقع تحتاج إلى إدراك للواقع بالإضافة إلى الخيال الخلاق الذي يستطيع وحده ربط الوقائع المنعزلة والمنتشرة في نطاق واسع بعضها ببعض في وحدة حقيقية " .

قبول الرأي الاخر:
هذا ويجب أن يكون الباحث في نفس الوقت مستعداً لتقبل إرادة الغير ووجهة نظرهم دون أن يضيق بها , بل يكون مستعداً للأخذ بوجهة النظر المغايرة لما كان يعتقده هو – إذا وجد من القرائن ما يؤيد وجهة النظر المعارضة لرأيه وما يرجح صحتها .

المعرفة الزمنية للأحداث:
وهنا ملكة هامة يجب أن تتوفر لدى المؤرخ وهي ترتبط ( بالعامل الزمني ) أو الحاسة الزمنية فهو يتعرض لأحداث حدثت في أزمنة سابقة مغايرة لزمنه من حيث الظروف الاجتماعية , والأفكار السياسية السائدة في المجتمع والمعتقدات والمبادئ المتعارف عليها في هذه الأزمنة الخ ...
وهو لا يجب أن يقيس الأحداث ويربطها بأفكار وعلل ومقاييس استحدثت بعد . أو بمعنى أصح أن المؤرخ يجب أن يحذر تفسير الأحداث الماضية وتعليلها بالأسباب والعلل التي لم تكن موجودة في زمنها لكنها قد تكون بارزة وواضحة اليوم – فهو لا يحب أن يجرى في عقول الناس في الماضي ما يجرى في عقولنا اليوم دون مراعاة لفارق الزمن .
مثال ذلك ما يردده العديد من الكتاب من أن من الدوافع التي دفعت محمد علي للتفكير في مد إرادته للسودان وإرسال حملاته لبسط سلطانه على هذه البلاد – رغبته في السيطرة على منابع النيل الاستوائية ليكون النهر من منابعه حتى مصباته تحت سيطرته .
وقد تكون فكرة التحكم في هذه المنابع وإقامة المشاريع عليها مما بحثت فيما بعد – لكن لا يقبل هذا الأمر في عهد محمد علي لسبب بسيط هو أن منابع النيل الاستوائية لم تكن قد كشفت بعد ولم يتم كشفها إلا في عصر الخديوي إسماعيل.
وإن كان الرحالة وادنجتون مثلاً قد أشار إلى طموح محمد علي وأطماعه في أن يكون سيداً على سكان وادي النيل ومن يشربون من مائه من الحبشة حتى البحر المتوسط .
ألا أن مسألة التحكم في مشروعات الري على النيل التي رددتها المراجع المتعددة لم تخطر أبداً على عقل محمد علي أو عقول معاصريه . ومثال ذلك أيضاً ما تردده الكتب عن " المثل الأعلى للفضيلة والحرية الذي ينسب للرومان " فالحقيقة أنه كما ذكر فستل دى كولانج في كتابه " المدنية القديمة " الذي درس فيه العبادات والقوانين والنظم عند اليونان والرومان " إن القدماء لم يعرفوا الحرية في حياتهم الخاصة , كما أنهم لم يعرفوا الحرية في التعليم أو الخدمة الدينية , وكانت شخصية الفرد ذات قيمة ضئيلة إذا قورنت بالسلطة الصارمة التي تكاد تكون مقدسة والتي تمتعت بما نسميه ( بالدولة ) أو الوطن .. وكان المعتقد هو أن الواجب يقضى بأنه على كل من الأخلاق والعدالة , والحقوق أن تفسح الطريق لصالح الوطن " .
من هذا يتضح أن من أغرب الأخطاء الظن بأن الإنسان قد تمتع بحرية في المجتمعات القديمة – كما نفهمها نحن اليوم – فهو لم يحصل حتى على فكرتها .
إذا على المؤرخ أن يحاول بعقله وفكره أن يعيش العصر الذي يتصدى للكتابة عنه , ويحاول أن يعايش الناس في هذا العصر أفكارهم وتقاليدهم وعاداتهم , وهذا أمر ليس باليسير فهو يتطلب دراسة عميقة للأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها للعصر موضوع الاهتمام .

التأمل الهادئ:
لكن مع ذلك فكما يذكر رانكى يجب أن يرى الأشياء من وجهة نظر أعلى من تلك التي يراها بها أولئك الذين عاشوا وسط الأحداث فالمؤرخ – كما يقول – يسعى إلى تحويل التاريخ العاصف كله إلى هدوء التأمل الخالص – فصفة التأمل الهادئ هي من أهم صفات المؤرخ .
وقد عبر عن نفس الفكرة الفيلسوف الألماني بوركار في كتابه " تأملات في تاريخ العالم " فذكر "أن التأمل سمة من أهم سمات المؤرخ " .

الموضوعية التامة:
كذلك رغم الموضوعية التامة اللازم توفرها في المؤرخ – فإن هذا لا يعنى بحال ما محو ذاتيته , فالشخصية التاريخية لا يمكن أن تفهم إلا عن طريق الشخصية الذاتية , ويستحيل هذا بغير تعاطف وثيق .
أن الباحث الناجح هو الذي يتصف بالاتزان فلا تطغى كفة العاطفة عنده على كفةالموضوعية والحيدة , ولا تلغى تلك شخصية الباحث وآدميته بما فيها من عواطف وأحاسيس ومشاعر .

التواضع:
ومن مميزات الباحث في التاريخ التواضع , فلا يحرص أبداً على أن يفضح علنا أقل هينات تصدر من الغير , وهو لا يستخدم ألفاظاً ولهجة فظة غليظة , في الوقت الذي يمجد فيه القليل الذي يقوم به هو – وقد ذكر أنجلو وسينوبس " أن العالم دى كانج كان يقول عن أعماله بكل تواضع – تكفى العيون والأصابع لعمل مثلها وأكثر .. وأنني إذا كنت أدرس وأبحث فما ذلك لإيلام الآخرين " .

المنهجية في التنظيم والتصنيف:
والمؤرخ كغيره من المتصدين للبحث العلمي يجب أن يتصف بالقدرة على تنظيم المعلومات وتصنيفها والاستفادة منها في موضعها المناسب . وقد يكتسب هذا بالمران والتدريب لكن يحتاج الأمر أيضاً إلى عقل راجح وذكاء وقدرة على إدراك التسلسل بين الأحداث , وعلى المقارنة بينها والربط بحيث تكون سلسلة متصلة تؤدي الحادثة إلى أخرى .
ويعاب على كثير من الكتابات التاريخية أنها تفتقر لهذا التسلسل الزمني فيشوبها الاضطراب بحيث لا يستطيع القارئ أن يتتبع تسلسل وتتابع الأحداث تاريخياً , وأن يدرك مدى ارتباطها بعضها بالبعض الآخر .

سهولة الألفاظ :
كذلك فإن المؤرخ يجب أن يتميز في كتابته وطريقة عرضه للأفكار بأسلوب علمي سهل , وبعبارات واضحة – فيجمع بين سلامة اللغة , وسلاسة الأسلوب , ووضوح الفكرة – وسنتعرض لهذه النقطة بالتفصيل فيما بعد عند الحديث عن كتابة البحث وما يراعى في ذلك .
هذه بعض الصفات التي يلزم أن يتصف بها المؤرخ – نذكرها على سبيل المثال لا الحصر .
وأشير في ختام هذا الفصل إلى الصفات التي ذكر فرنسيس بيكون أحد مؤسسي العلم الحديث أنه يجب توفرها في الباحث فقال " عقل له من سرعة البادرة والقدرة على الشمول والإحاطة ما يكفيه للقبض على وجوه الشبه بين الأشياء , في الوقت ذاته له من الرسوخ مايكفيه لتعيين وجوه الاختلاف الدقيقة والتمييز بينها .. عقل وهبته الطبيعة الرغبة في البحث , والصبر على الشك , والتوقف إلى التأمل , والتبصر قبل التأكد , والاستعداد لإعادة النظر , والحذر الشديد في التصنيف والترتيب .. عقل لا يأخذ بما هو جديد ولا يعشق ما هو قديم , ويمقت كل أنواع النفاق " .
عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 8 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة السابعة
منهج البحث التاريخي

( اختيار موضوع البحث):
يمر البحث التاريخي في مراحل سنتتبعها مع الباحث بالتفصيل في الفصول التالية :
ويعتبر اختيار موضوع البحث من أهم الأمور وأصعبها , والتوفيق في هذه المرحلة يعتبر المفتاح الأول الذي يفتح الطريق ويمهده أمام الباحث .
ويجب أن يدرك الباحث أن اختيار الموضوع الذي سيقضى فترة طويلة في محاولة تقصى حقائقه – مهمته هو في المقام الأول , وأن مهمة المشرف في هذه المرحلة لا تتعدى الإرشاد بالرأي بحكم خبرته وسعة علمه , لكن لا يجب أن يعتمد الباحث كلية على المشرف في هذا الأمر .

اختيار الموضوع للطلبة المبتدئين :
ويختلف الأمر في حالة الطلاب المبتدئين في الكليات الجامعية عنه في حالة الباحث في الدراسات العليا , والذي يهدف للحصول على درجة ( الماجستير ) أو ( الدكتوراه ) في مادة تخصصه .
فالهدف من البحث عند الطالب في المرحلة الجامعية الأولى هو التدريب على الطريقة الصحيحة للبحث التاريخي , وعلى المنهج السليم في البحث , فهو غير مطالب بأن يضيف جديداً لمعلوماتنا المتصلة بموضوع البحث – لكنه مطالب بأن يقدم بحثاً يراعي فيه شروط البحث التاريخي بما يطمئن على أنه ألم بهذه الشروط وأنه قادر في المستقبل على أن يسير في الاتجاه السليم للبحث , كما أن هذه المرحلة فرصة لتعرف الباحث على المكتبات العلمية الموجودة على الأقل في دائرة الكلية أو الجامعة التي يدرس فيها , وعلى بعض دور الكتب في بلده , وعلى الطريقة المثلى للاستفادة من هذه المكتبات وما بها من كتب ومراجع ويرجع الطالب عادة في هذه المرحلة بإرشاد أستاذه إلى عدد محدود من الكتب التي تتناول موضوع بحثه .
ومن أهداف هذه المرحلة أيضاً أن يتدرب الطالب على الطريقة المثلى في كتابة موضوع ما , من حيث التبويب أو التقسيم , ومن حيث الإلمام بجوانب الموضوع المختلفة .
وقد يحاول الطالب أيضاً في هذه المرحلة أن يعرض رأيين أو أكثر من الآراء التي أثيرت في كتاب أو كتابين مما قرأ ويحاول أن يقارن بينهما , وإن أمكن أن يرجح رأياً على الآخر .
وإن كان الوصول إلى هذه المرحلة غالباً لا يكون إلا بعد فترة من الدراسة الجامعية الأولى حين يكون الطالب قد قطع مرحلة طيبة في هذه الدراسة .
فالطالب قد يبدأ بمجرد محاولة لتلخيص فصل من كتاب , ويتدرج إلى محاولة أن يكتب بنفسه موضوعاً عاماً مستنداً إلى كتابين أو ثلاثة , وهكذا حتى يصل إلى أن تكون عنده ملكة النقد والتحليل والتمييز بين الصحيح وغير الصحيح فيما يقرأه مستنداً على أسس سليمة للنقد .
وبالطبع يحتاج الطالب قبل أن يبدأ في بحثه لتوجيهات – عن البحث العلمي , والهدف منه ومنهجه ..الخ . وعادة يدرس الطالب هذه المواضيع في دروس ( منهج البحث التاريخي ) , وإن كانت بعض الكليات لا تخصص ساعات محددة لهذه الدراسة في هذه المرحلة وتكتفي بتوجيهات وإرشادات الأساتذة , ثم يكلف الطلبة بأبحاث بسيطة قد تناقش وتتخذ أساساً لتوضيح نقاط الضعف , ومواضع القوة في البحث العلمي .

ويمكن أن نجمل الأهداف التي نتوخاها من البحث التاريخي في المرحلة الجامعية الأولى فيما يلي :
1- تدريب الدارسين على كيفية الإلمام بالعناصر الرئيسية لموضوع تاريخي .
2- تدريبهم على كيفية التركيز على الهام من المعلومات بحيث يستطيع الدارس أن يعطى تصوراً كاملاً لموضوع ما في صفحات قليلة .
3- استخدام المكتبة ومعرفة – كيفية التعامل معها , ومع القائمين بأمرها , فيعرف الطالب أنواع الفهارس بالمكتبة , وطريقة تقسيمها , ونظام الاستعارة الداخلية والخارجية بها , كما يقضى أوقاتاً للقراءة فيها , وهو يكتسب في كل ذلك خبرة ومعرفة .
4- تكوين عادة القراءة الجادة عند الدارسين بحيث لا يكتفي الطالب بما يأخذ من محاضرات, بل يتعدد على أن يحاول الحصول على المزيد من المعلومات من الكتب والمراجع الأخرى , ويجد في ذلك إشباعاً لرغبتة عند القراءة والاطلاع والحصول على المعرفة بنفسه .
5- معرفة المنهج السليم للبحث التاريخي , وطريقة تقسيم البحث , والكتابة السليمة والعرض
6- الطريقة الصحيحة لكتابة ( هوامش ) البحث والاستعمالات المختلفة للهوامش .
7- ملاحق البحث من خرائط ووثائق وموضعها من البحث وقيمتها .
8- طريقة تنظيم مكتبة البحث ( المراجع والمصادر ) في نهاية البحث .

والحقيقة التي يجب أن نشير إليها هنا هي أن أحجام الغالبية العظمى من الدارسين بجامعاتنا عن متابعة القراءة والدرس بعد الانتهاء من المرحلة الجامعية الأولى – يرجع أولاً وقبل كل شيء إلى عدم التدريب على القراءة , وعدم ممارسة هذه العادة أثناء الدراسة الجامعية والاكتفاء بجهد الأستاذ ممثلاً في المحاضرات التي تملى أو تطبع .
وهذا السبب فيما نشكو منه من أن الدراسة الجامعية أصبحت لا تختلف كثيراً عن المرحلة السابقة لها من مراحل التعليم العام . فالأمر لا يخرج عن كون الطالب قد حصل على قدر أكبر من المعلومات في نطاق تخصصه , بينما الهدف الأساسي من التعليم الجامعي وهو تكوين طالب قادر على الحصول بنفسه على المزيد من المعلومات والمعارف عن أي موضوع – يجذب نظره – لم يتحقق بعد .
ومهما قيل عن أسباب هذا القصور من كثرة عدد الطلاب أو غير ذلك – فإن الهدف يجب ألا يغيب عن أنظارنا , ويمكن تحقيقه بوسائل متعددة بتوجيه الطلاب بمختلف الطرق والوسائل للبحث والتنقيب وراء المعرفة , والاهتمام بالمكتبات الجامعية , وإرشاد طلابنا لطريقة الاستفادة منها .

اختيار الموضوع في الدراسات العليا:
وإذا كان الطالب في هذه المرحلة الجامعية الأولى ليس مطالباً – كما ذكرنا – بالقاء أضواء جديدة على موضوع ما , وأن هذه المرحلة تعتبر مرحلة تدريب وتعويد على البحث والقراءة والكتابة السليمة فحسب – فإن المرحلة الجامعية التالية . والتي يطلق عليها في بعض الجامعات مرحلة ( الدراسات العليا ) تتطلب تعمقاً أكثر وإضافة جديدة في موضوع البحث .
ولذ فاختيار موضوع البحث في هذه المرحلة . والمراحل التي يمر بها يختلف تماماً من المرحلة السابقة .
وفي أغلب جامعاتنا يمر الطالب – قبل أن يسمح له باختيار موضوع بحثه والتفرغ له .. بمرحلة مدتها في العادة عام دراسي كامل يطلق عليها ( السنة التمهيدية ) فيها يدرس بعض الموضوعات في مجال تخصصه بالإضافة إلى أنه يكلف بإعداد بحوث خاصة في هذا المجال .
وقد تختلف الدراسة والنشاط المصاحب لها في هذه السنة حسب التخصص الدقيق للطالب . فالطالب الذي اتجه للتخصص في التاريخ الفرعوني القديم يدرس موضوعات تختلف عن الطالب الذي يتجه لدراسة التاريخ اليوناني أو الروماني وبالمثل الذي يتجه لدراسة التاريخ الوسيط أو الإسلامي أومن يريد التخصص في التاريخ الحديث .
وبالطبع هناك شروط تشترط الكليات الجامعية توفرها في الطالب – بالإضافة إلى رغبته الشخصية – لتحديد التخصص الذي يسمح له بالبحث فيه كالاسترشاد مثلا بتقديراته في فرع التخصص الراغب فيه طوال سنين دراسته الجامعية الأولى .
وإن كان الأمر يختلف في الجامعات الأوربية حيث أن رأي الأستاذ المشرف هو الحكم – غالباً – في ذلك فهو القادر على الحكم على مدى قدرة الطالب على متابعة الدراسة والبحث في المجال الذي اختاره .
ولعل جامعاتنا لجأت إلى هذه الأجزاء بتخصيص عام للدراسة التمهيدية لمرحلة الماجستير فالدكتوراه بعد أن ثبت أن ما يكتسبه الطالب خلال فترة الدراسة الجامعية الأولى من تدريب على البحث غير كاف , كما أنه يمكن في هذا العام التمهيدي التعمق في دراسات تخصصية يحتاجها الباحث في المجال الذي اختاره لتخصصه كدراسته لغة جديدة أو التعمق في لغة بذاتها كاللاتينية واليونانية للباحث في تاريخ اليونان القديم أو تاريخ الرومان , واللغة المصرية القديمة لمن سيتخصص في التاريخ الفرعوني واللغة التركية العثمانية للباحثين في تاريخ مصر الحديث .
هذا بالإضافة إلى أن بعض الكليات تعتبر هذا العام التمهيدي فرصة للحكم على مدى قدرة الطالب على الاستمرار في البحث والدراسة للمرحلة القادمة . وذلك بعد أن زاد عدد المتقدمين للدراسات العليا عن إمكانيات الأساتذة على الإشراف والتوجيه السليم – فهي مرحلة من مراحل التصفية , ووسيلة من وسائل الاختيار أو التوجيه الصحيح .
وقد يوجه الطالب في هذه المرحلة في أبحاثه إلى اختيار موضوع معين يتعمق في القراءة فيه ويقدم بحثاً أو أبحاثاً كتمهيد لأن يسجل الطالب هذا الموضوع ويستمر فيه كموضوع مختار لبحثه المقبل وعادة تعقد في أثناء هذه السنة التمهيدية حلقات للبحث( سيمينار) يحضرها الأساتذة وطلاب الدراسات العليا - وهذه الحلقات عظيمة الفائدة لطلبة الدراسات العليا ، مما يقدمه الدارسون من أبحاث وأوجه نشاط أخرى وما يدور فيها من مناقشات وتبادل أراء ونقد بناء يفيد الباحثين الجادين فائدة كبيرة ، ويسهم في تقدمهم وتثبيت أقدامهم في مجال البحث وما يتطلبه من شروط ، ويكتسبون _ في هذه الحلقات الكثير من خبرات العديد من الأساتذة المحنكين الذين يشتركون في هذه الحلقات الدراسية .
وبالطبع يتوقف مدى الاستفادة من هذه الحلقات على الدقة في الإعداد لها ، والحرص على أن تؤخذ مأخذ الجد , وعلى أن تحقق الأهداف المرجوة منها.
ويخضع اختيار موضوع البحث في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه لعوامل كثيرة.

والباحث على كل حال يجب قبل أن يستقر على رأى نهائي بخصوص موضوع بحثه أن يسأل نفسه الأسئلة التالية ويجيب عليها بصدق وأمانة :
1_ لماذا اختار بالذات هذا الموضوع للبحث؟
2_ هل لم يسبق بحثه؟
3_ هل الآراء المتعددة والكتابات التي كتبت عنه غير كافية أو غير صحيحة؟
4_ هل لديه من المصادر الأصلية كالوثائق أو الكتابات الرسمية الأخرى ما يكشف عن حقائق جديدة أو يصحح آراء متداولة؟
5_ هل لديه هو كافة الإمكانيات للاطلاع على ما يتصل بموضوع بحثه من مصادر أصلية؟
كان يكون ملما مثلا بلغة هذه المصادر ، وأن يكون متيسرا له للحصول عليها من أماكنها الأصلية . فإذا شعر في ضوء إجاباته على هذه التساؤلات كلها بالاطمئنان إلى أنه يستطيع أن يضيف فعلا جديدا للمعلومات المعروفة عن موضوع البحث - يمكنه أن يستمر في بحثه – وإلا كان عليه أن يغير أو يعدل من موضوع .

مدة البحث الزمنية:
ومن المبادئ الأساسية التي يجب أن تراعى عند اختيار موضوع البحث أن يكون الموضوع محددا بفترة زمنية معقولة _ وكلما كانت الفترة محدودة أمكن للباحث أن يتعمق في بحثه وأن يلم بكافة المعلومات والكتابات والمصادر المتعلقة بها ، وبالعكس إذا كانت الفترة طويلة أصبح من العسير على الباحث أن يلم بكل ما كتب عن الموضوع فلا يتعدى الأمر جمع معلومات عامة عادية معروفة .
هذا على أن تحديد تاريخ البداية , والنهاية أي ( الفترة الزمنية للبحث ) لا تتم اعتباطا , فعلى الباحث أن يكون مستعداً للإجابة عن سبب التزامه بالفترة الزمنية التي حددها لبحثه .
فموضوع البحث مفروض فيه أن يمثل موضوعاً متكاملاً . حقيقة قد يفتح البحث آفاقاً لبحث آخر , وكثيرون كانوا موفقين في اختيار موضوع بحثهم لدرجة الماجستير , ثم تابعوا البحث لفترة زمنية أخرى للدكتوراه .
لكن لا يعنى هذا أن الفترة الزمنية الأولى لم تكن متكاملة , وأن النهاية لم تكن طبيعية .
وبالطبع يحسن بالباحث منذ البداية أن يلم بموضوع البحث وأن يقرأ كل ما كتب عن هذا الموضوع . ولا يتسرع في اختيار موضوعه وتحديد الفترة الزمنية حتى لا يضطر أثناء البحث أن يغير الموضوع أو الفترة بالحذف أو الإضافة , وإن كان هذا جائزاً طالما وجد بالاتفاق مع الأستاذ المشرف إن الفائدة العلمية تقتضى ذلك .وإذا كان الطالب – في مقدمة بحثه يوضح الأسباب التي دعته لاختيار موضوع البحث , والتي دعته لتحديد الفترة الزمنية للبحث – فإنه عادة يناقش ذلك مع أستاذه المشرف على بحثه فإذا اقتنعا بأن الموضوع جدير بالبحث يستمر الباحث – مطمئناً - في جمع المادة التاريخية للموضوع الذي وقع عليه الاختيار من المراجع العامة والخاصة ومن المصادر الأصلية .

ويطلب من الطالب أن يتقدم لمجلس القسم ببيان يوضح فيه :
1- موضوع البحث .
2- الأسباب التي دفعت لاختيار الموضوع المذكور والمبررات العلمية لذلك . وهي كما شرحنا سابقاً قد تتعلق بأهمية الموضوع ذاته , ورغم ذلك قلة ما كتب فيه , أو عدم تحرى الكتاب الدقة فيما كتبوا , أو عثور الباحث على وثائق أو مصادر أخرى أصلية لم تستخدم من قبل لأجلاء الحقيقة عن موضوعات تتعلق بالباحث ...الخ .
3- مشروعات تمهيديا للبحث ( التبويب ) يحدد الفصول الأساسية , وما سيتناوله كل بالبحث.
وهذا التبويب بالطبع قابل للتعديل والتغير حسبما يتضح للباحث أثناء بحثه , لكنه يحدد المعالم الرئيسية لخطة البحث .
4- بعض المصادر والمراجع التي سيعتمد عليها الباحث في بحثه .
ولا شك أيضاً في أن الباحث لا يمكنه في هذه المرحلة أن يلم بكل المصادر أو المراجع التي يحتاج إليها – فهذا يستلزم وقتاً طويلاً ولن يتم إلا أثناء مرحلة البحث الطويلة , وأثناء جمع المادة حين يصطدم الباحث بالنقاط الغامضة التي تحتاج لتأكيد أو نفى في بحثه – فيرجع للمصادر أو المراجع ليجلو الغموض الذي يحيط بنقطة ما , كما أن المرجع عادة يؤدى بالباحث للعديد من المراجع الأخرى , وفي طريق البحث الطويل وفي دروبه المتعددة يضع الباحث يده على العديد من المصادر والمراجع التي لم تكن تحت يده أو في ذهنه في المراحل الأولى من البحث .
والقيمة الحقيقية لكل هذه البيانات الأولية هي أن تطمئن الجهات الرسمية ( مجلس القسم , ومجلس الكلية , ثم الدراسات العليا في الجامعة ) إلى جدية البحث , وإلى أن موضوعه جدير بأن يبذل فيه جهد الطالب والأستاذ .
وفي بعض الكليات يطلب من الطالب أن يقدم عرضاً بسيطاً عن الموضوع الذي يزمع بحثه في إحدى اجتماعات قاعة البحث ( السيمينار ) .
ويعطى هذا فرصة لمناقشة الحاضرين من الأساتذة والطلاب , وقد يترتب على المناقشة إدخال تغيير على موضوع البحث أو الفترة الزمنية أو غير ذلك .
ولا شك في أن في هذا فائدة الباحث نفسه بالإضافة إلى الفائدة التي يجنيها مجموع الباحثين الآخرين المشتركين في المناقشة .
نؤكد في نهاية هذا الفصل على عدة حقائق أشرنا إليها من قبل بالتفصيل وهي :
1- اختيار موضوع البحث مهمة الباحث نفسه .
2-هذا الاختيار ، وتحديد الفترة الزمنية للبحث يجب أن يتم بعد قراءة طويلة فيما يتعلق بالبحث , ويحتاج لوقت وتدقيق وتمعن ولا يتم اعتباطاً , بل يتم بعد تحديد الإمكانيات الحالية للباحث , والاحتمالات المنتظرة .
3-مناقشة مشروع البحث في جلسات ( السيمينار ) قبل تقديمه للجهات الرسمية مفيد ومثمر .**



عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 9 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة الثامنة
المصادر والمراجع
الأماكن التي يحصل منها الباحث على مصادرة ومراجعة:
بعد أن يستقر الباحث على موضوع بحثه يشغل نفسه فترة غير قصيرة يجمع المراجع والمصادر الأصلية التي تخدم موضوع البحث .
وهذه المرحلة من أهم مراحل البحث لأن عليها يتوقف نجاح الباحث في المراحل التالية :

والباحث في هذه المرحلة عليه أن يلجأ إلى :
1- المكتبات ودور الكتب :
سواء مكتبات الكليات أو الجامعات أو المكتبات العامة , أو مكتبات الهيئات الوطنية والدولية أو غيرها .
2- دور المحفوظات الوطنية .
3- دور المحفوظات في البلاد الأخرى التي ارتبطت في تاريخها بالدولة موضوع البحث .
4- أرشيف وزارات الخارجية .
5- الوثائق الموجودة في أماكن أخرى كالأديرة والكنائس أو طرفا الأفراد .
6- الشخصيات العلمية التي يعتقد أن لها اهتماما خاصا بموضوع البحث ولها دراسات فيه .
7- الأشخاص الذين قد تكون لهم أو لأسرهم صلة بالأحداث موضوع البحث .
وسنحاول أن نوضح كيف يستفيد الباحث من كل منها :

- المكتبات ودور الكتب :
لابد للباحث من أن يكون ملما بكل المكتبات الجامعية وغير الجامعية التي في وطنه أولاً ثم المكتبات الهامة الخارجية .
ففي القاهرة مثلاً هناك مكتبات الكليات والجامعات المصرية المختلفة ( جامعة القاهرة – جامعة عين شمس – الجامعة الأزهرية ... ) وهناك مكتبة الجامعة الأمريكية , ومكتبات مجلس الوزراء, والبرلمان , وبعض مكتبات السفارات الأجنبية أو الهيئات , وكان لبعضها في وقت من الأوقات أهمية خاصة لاحتوائها على العديد من الكتب النادرة . وهناك مكتبة تابعة لهيئة الأمم المتحدة (بجاردن سيتى) تحتوى على العديد من الكتب الخاصة بنشاط الهيئة الدولية , كالكتاب السنوي الذي تصدره الأمم المتحدة عن القضايا التي نوقشت طوال العام , وما يصدر من اليونسكو , والهيئات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة.
ولبعض الهيئات مكتبات خاصة تحتوي العديد من الكتب والمطبوعات الفريدة . نذكر على سبيل المثال ( مكتبة جريدة الأهرام , والجرائد الأخرى , والأرشيف المرتبط بها ) - فهي تحتوي العديد من الكتب والمراجع التي قد لا توجد في مكتبة أخرى بالإضافة إلى الصحف العالمية , أو تطبيقاتها وكتاباتها عن موضوع معين .كما أن لديها قسماً خاصاً بالميكروفيلم .
وفي مقدمة المكتبات العامة - دار الكتب القومية وهي في القاهرة تابعة للهيئة العامة للكتاب (مقرها الحالي كورنيش النيل) .
يضاف إلى هذا مكتبات الجمعيات العلمية كالجمعية التاريخية , والجمعية الجغرافية (بالتحرير) ومكتبتها تحتوى العديد من الكتب الفريدة التي قد لا نجدها في أي مكتبة أخرى , وهناك جمعيات وهيئات أخرى كالجمعية الأفريقية , وجمعية الاقتصاد السياسي , بالإضافة إلى مكتبات بعض الهيئات كنقابة المحامين.
ولا نستطيع أن نسجل هنا على سبيل الحصر كل المكتبات الهامة التي يجب أن يكون الباحث ملما بها والتي يجب ألا يهمل أو يقصر في ارتيادها بحثاً عما يخص موضوع بحثه .
وليس المهم معرفة أماكن هذه المكتبات الهامة وارتيادها - لكن المهم أن يعرف الباحث كيف يستفيد من محتوياتها من مراجع ومصادر وغيرها .

نظام المكتبات:
وعلى الباحث أن يتعرف أولا وقبل كل شيء - على نظام المكتبة من حيث مواعيدها , ونظام الاستعارة , أو الاطلاع الداخلي بها , والنظام المتبع في فهرسة الكتب بها , وهل هناك فهارس مطبوعة بأسماء الكتب حسب أسماء المؤلفين أو حسب الموضوعات , وهل هناك بطاقات ... وبعض المكتبات كمكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة بها ميكروفيلم للرسائل الجامعية التي نوقشت في الجامعات الأمريكية - ولا تكاد مكتبة من المكتبات الهامة الكبيرة تخلو حالياً من هذا القسم ( قسم الميكروفيلم ) . وتعتبر أقسام الميكروفيلم بما تحتويه من ذخيرة علمية من أهم الأقسام التي يجب أن يحرص الباحثون على الاستفادة منها – ولها بالطبع فهارسها الخاصة بها ونظامها الخاص في استخدام محتوياتها وأغلبها مزود بما تحتاجه من أجهزة لعرض وقراءة الأفلام.
ويجب أن يعقد الباحث صداقات مع القائمين بالعمل في المكتبات , ويكتسب ثقتهم , فعلى ذلك يتوقف جزء كبير من المساعدات التي تقدم له . وفي بعض المكتبات يوجد متخصصون في مختلف العلوم , ويستطيع الباحث بعلاقاته الإنسانية أن يستفيد من خبرة هؤلاء ودرايتهم بمختلف المراجع والمصادر المتعلقة بموضوع بحثه في المكتبة .

المراجع ( الببليوغرافيا ):
وعادة يبدأ الباحث بكتب المراجع ( الببليوغرافي ) التي ترشده إلى المراجع والمصادر المتعلقة ببحثه .
وهي تمد الباحث ببيانات عن المراجع والمصادر وعدد صفحاتها وأماكن طبعها , وسنوات الطبع, بل أن البعض يعطى بيانات توضيحية عن محتويات المراجع والمصادر المذكورة .
وقد عنيت بعض الجمعيات العلمية بإصدار هذه المجموعات , بعضها عام , وبعضها يتصل ببلد معين أو بشخصية معينة أو بعصر معين . وتمد هذه المجموعات الباحث بالعديد من المراجع التي قد تقوده بدورها لعدد آخر من المراجع والمصادر .

قوائم المؤلفين أو قوائم الموضوع :
ومع ذلك لا تغنى هذه المجموعات عن جهد الباحث نفسه الذي يجب أن يبذله في البحث في قوائم المؤلفين أو قوائم الموضوع في المكتبات .


الدوريات التاريخية:
كذلك لابد أن يلم الباحث ببيان بالدوريات التاريخية الهامة التي تصدرها الجمعيات والهيئات العلمية والجامعات في الداخل والخارج . فالمقالات بهذه الدوريات لها من القيمة العلمية ما للمراجع بل تفوقها أهمية لأنها تصدر بصفة دورية منتظمة وفي فترات متقاربة , ولذا فهي تحرص على نشر الأبحاث والآراء الجديدة التي لا تتضمنها الكتب بحركتها البطيئة .

الجذاذات – الفيش:
ويجب أن يسجل الباحث منذ البداية وبكل دقة بيانات وافية عن المراجع والمصادر والكتب التي تقع تحت يديه مثل : المكتبة الموجودة بها هذه المراجع , وأرقامها ورموزها بدقة , واسم المؤلف , وسنة الطبع ومكانه , ومحتوياتها أو الموضوعات التي بحثتها , وأية بياناه أخرى يرى أنها ستكون ضرورية له , كبيانات مثلاً الخرائط أو الرسومات المتضمنة فيها أو المؤلف وقيمته العلمية واتجاهاته .
وأفضل طريقة تدوين هذه البيانات هي استخدام البطاقات ( الجذاذات – الفيش ) التي يسهل تنظيمها وتبويبها , والاستفادة منها فيما بعد عندما يأخذ الباحث في جمع مادته وترتيبها وكتابة بحثه .
ويمكن للباحث أن يعد البطاقات بالحجم والشكل الذي يرتاح هو له , كما أنها تتوفر في بعض المكتبات .
وبعض الباحثين لا يلتزم بطريقة البطاقات مع أنها أدق وأيسر طرق البحث العلمي – ولعل ذلك يرجع لعدم التعود أو التدريب عليها .
وبالطبع يتزايد عدد هذه البطاقات بالتدريج كلما تقدم الباحث في بحثه , ويتيح نظام البطاقات للباحث حرية التغير والتعديل وإعادة التنظيم .

- دور المحفوظات ( الوثائق ) وأرشيف وزارات الخارجية :
لا يمكن أن يقوم التاريخ إلا على أساس من الوثائق . والوثائق قد تكون أثاراً أو مخلفات خطية أو نقوش .. الخ .
والمعرفة في التاريخ تبدأ عادة من الوثيقة " فالتاريخ يصنع من وثائق " – ولهذا فالعثور على الوثائق الخاصة بالوضع الذي ندرسه عملية هامة جداً – بل أن الغالب ألا يقدم الباحث على معالجة موضوع معين إلا بعد أن يعرف أنه توجد وثائق تسمح بدراسته .
والبحث عن الوثائق في مظانها هي الخطوة الأولى في المنهج التاريخي ويطلق عليه الألمان اسم الهورسطيقا .
وتحرص أغلب الدول على أن تكون لها دور خاصة لحفظ وثائقها القومية التي تتعلق بتاريخها .
وتختلف هذه الدور من حيث الاهتمام بوضع الفهارس والكشافات لوثائقها ( أبجدية حسب أسماء الأشخاص أو للموضوعات .. الخ ) . وبعضها يكتفي في هذه الفهارس بوضع أرقام للمجلدات وبيان تاريخ الوثائق المحفوظة بها . بينما يعطى البعض وصفاً ملخصاً لمضمون الوثائق – وهكذا تختلف البيانات المتاحة .
وفي كثير من دور المحفوظات العديد من الوثائق غير المفهرسة أو المنظمة ولم يوضع لها ثبت فيصعب الاستفادة بها بوضعها هذا – على أن الدول والجمعيات العلمية – شعوراً منها بأهمية هذه الوثائق – أخذت تهتم بتخصيص الفنيين الذين يقومون بتنظيم الوثائق وعمل فهارس لها .
هذا بالإضافة إلى أن العديد من الوثائق أصابها التلف بسبب الإهمال , وتبذل الجهود لترميمها .
وقد تقدمت طرق الترميم حتى يتم هذا العمل دون أن يصيب الوثيقة أي تلف . وبدور الوثائق عادة أجهزة خاصة لتصوير ما يطلب منها تصويره من الوثائق .
وعلى الباحث أن بتعرف على ما في دور الوثائق – سواء الوطنية أو الأجنبية – من وثائق تخص موضوع بحثه , ومهما تكلف من جهد أو مال في السفر والارتحال للاطلاع على ما يخصه منها, فإن ذلك كله يهون إزاء الفائدة التي تأتي من عثوره على الوثائق الأصلية وحسن استخدامها فالبحث الذي لا يقوم على المصادر الأصلية بحث ضعيف لا يرقى للمستوى المطلوب , والعثور على الوثائق الأصلية المتعلقة بموضوع البحث كالعثور على كنز , لأن ذلك يفتح الباب أمام إثبات أو نفى بعض الأمور المتصلة بالبحث . والبحث يقيم عادة بعدى استفادة على الأصول التاريخية . فقيمة البحث تتوقف على ( الأصالة ) أي المعلومات الجديدة الأصلية التي نضيفها إلى معرفتنا .
وكما يقول المؤرخ الألماني رانكى " إن فحص تقارير السفراء , والأوراق الدبلوماسية ومضاهاتها بعضها ببعض , ثم غربلتها واستخدامها بعد ذلك كوسيلة لفهم القضايا التاريخية – هي العمل الأساسي للمؤرخ الحقيقي "
والمؤرخ الذي يهمل وثائق كان من شأنها أن توضح تلك التي في متناول يده واقتصر عليها – تكملها أو تنقصها – يكون بلا شك في موقف أضعف من الذي وصل إلى كل الأصول المتاحة المرتبطة بموضوعه .
وقد أشرنا من قبل أكثر من مرة إلى أن بعض الوثائق منشورة في كتب خاصة أو كملاحق لبحوث منشورة وبعضها غير منشور . وواجب الباحث مهما يكن الأمر أن تكون تحت يديه كافة الوثائق المتعلقة ببحثه مهما كلفه ذلك من جهد .. ومن لا يستطيع بذل هذا الجهد يجب أن يتنحى عن الاستمرار في بحث الموضوع الذي يتعذر عليه الحصول على الأصول الأساسية المرتبطة به .
ولا يمكننا هنا حصر دور الوثائق أو المحفوظات لكن لا تكاد دولة اليوم تخلو من دار للوثائق القومية , والباحث الذكي يستطيع بفطنته وإرشاد أستاذه أن يحدد دور الوثائق التي تشتمل على مجموعات تتعلق بموضوع بحثه . ولا غضاضة في أن يبدأ بالكتابة لهذه الدور مستوضحاً الأمر , وإن كان هذا لا يغنى بحال ما عن السفر بنفسه للبحث والتنقيب والاطلاع ومعرفة ما يخدم موضوعه من الوثائق وتصويره أو نقله ليكون تحت تصرفه عندما يأخذ في تنظيم مدته وكتابة بحثه.
هذا ونشير إلى أن بعض الوثائق قد توجد في الأديرة ( مثل ديو سانت كاترين ) , والكنائس الأثرية , وقد تكون طرف أفراد ارتبطت أسرهم بالأحداث موضوع الدراسة أو حصلوا عليها عن طريق أو آخر .
وقد لجأت وزارة الثقافة في المملكة المغربية إلى طريقة حميدة للحصول على صور من الوثائق العديدة التي طرف الأسر والأفراد – فهي تعلن كل عام عن جوائز ترصد لن يتقدم بما في حوزته من وثائق للوزارة تثبت أهميتها بعد أن تفحصها لجنة خاصة من المختصين فتصور وتعاد الوثيقة الأصلية لصاحبها .
وبهذه الطريقة يوضع تحت أنظار الباحثين كل عام عشرات الوثائق الجديدة بعضها على جلد حيوانات أو رقائق أو أوراق .. الخ .وهذه خدمة جليلة بلا شك للبحث التاريخي . فالتاريخ قائم على الأصول , وإذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ .
ولنضرب مثلا بالوثائق المحفوظة بدار المحفوظات المصرية بالقلعة , وقد كانت هذه الوثائق موجودة بقسم الوثائق بقصر عابدين , وأتيحت لمؤلف هذا الكتاب فرصة قضاء سنوات متعددة للبحث فيها وأسهم بمجهود متواضع في تنظيم وترتيب بعض ما يخص تاريخ السودان الحديث منها . وكانت تشتمل على أقسام , منها قسم خاص بالوثائق التركية وبه مترجمون لترجمة ما يطلب منهم ترجمته إلى العربية , وقسم خاص بالوثائق الأجنبية التي كان لها صلة بمصر وأحداثها في العهد التركي العثماني , ويطلق على هذا اسم القسم ويرمز له بالرمز .o.f
ونشير هنا على سبيل المثال إلى بعض مجموعات الوثائق الموجودة بمحفوظات القلعة – فهي تعطى صورة واضحة لما في دور الوثائق المختلفة من كنوز علمية تخدم البحث التاريخي :.
1- مجموعة الفرمانات الشاهانية : تحتوى على الفرمانات التركية الصادرة لولاة مصر .
2- دفاتر وسجلات المعية ( تركي) : تحتوى على المكتبات التركية بين المعية والأقاليم والدواوين .
3- دفاتر وسجلات المعية ( عربي ) : تحتوي على المكاتبات العربية بين المعية والأقاليم والدواوين .
4- محافظ المعية ( تركي ) : تحتوى على المكتبات التركية بين الدواوين والأقاليم وبين المعية .
5- محافظ المعية ( عربي ) : تحتوى على بعض المكتبات العربية بين الدواوين والأقاليم وبين المعية .

1- دفاتر وسجلات عابدين ( تركي ) : تحتوى على المكتبات والمراسلات التركية الهامة بين الولاة وكبار الموظفين بالخارج كالقبو كتخدا مثلا , والولاة وبين الأقاليم , وهي مرتبة بأرقام مسلسلة أخرى فرعية .
7- دفاتر وسجلات عابدين ( عربي ) : تحتوى على المكتبات والمراسلات العربية الهامة بين الولاة وكبار الشخصيات .
8- محافظ عابدين : تحتوى على بعض المراسلات الأصلية بين الولاة وكبار الشخصيات , وبعضها مقيد في الدفاتر السابقة وبعضها غير مقيد .
9- الملفات الخاصة : عدة ملفات خاصة بشخصيات بذاتها أو بجهات خاصة مثل :
ملف الصدارة – خاص بمراسلات الصدر الأعظم .
وملف نظارة الخارجية خاص بمرسلات هذه النظارة .
ملف القبو كتخدا – ملف نوبار باشا – ملف المتفرقات .
10- دفاتر الأوامر : تحتوى على الأوامر الصادرة إلى الجهات , وبعضها بالتركي , والبعض الآخر بالعربي .
11- دفاتر عابدين ( وارد تلغرافات ) : بها صور التلغرافات الواردة للمعية السنية .
12- دفاتر عابدين ( صادر تلغرافات ) : بها صور التلغرافات المرسلة من المعية .
13- دفاتر عابدين – وارد تلغرافات شفرة : بها صور التلغرافات الشفرة الواردة للمعية .
14- دفاتر عابدين – صادر تلغرافات شفرة : بها صور التلغرافات الشفرة المرسلة من المعية .
15- سجلات الجهادية : تحتوى على الإفادات من المعية والجهادية .
16- دفاتر المجلس المخصوص – تحتوي على قرارات المجلس المخصوص .
17- محافظ سايره :جمعت فيها أشياء مختلفة من الأقاليم .
18- محافظ بحريرا تركي : تحتوى على وثائق واردة من جهات مختلفة – غير القطر المصري – للمعية .
19- محافظ السودان جمع فيها ما أمكن جمعه عن السودان منذ شعلته الإدارة المصرية في - وهي مأخوذة من الدفاتر والسجلات المختلفة .
20- دفاتر وارد المحافظات : عدة دفاتر لكل محافظة من المحافظات سجل فيها الوارد من المكتبات من كل محافظة .
21- دفاتر صادر المحافظات : عدة دفاتر لكل محافظة , سجل فيها الصادر من المكتبات من المحافظة وذلك بخط الكتاب المعينين بنفس المحافظة .
22- محافظ : تحتوى على مراسلات بالانجليزية , والفرنسية وغيرها من اللغات . بعضها مراسلات أصلية , وبعضها غير وجود الأصل , لكن توجد نسخة بالآلة الكاتبة أو المنقولة, وعدد كبير منها منقول من أرشيف فينا .

هذا وأشير إلى أن المؤرخ المشهور مسيو دوان قد استعان – استعانة كاملة بوثائق عابدين لإخراج كتابه المكون من عدة مجلدات عن فترة حكم الخديوي إسماعيل .
وقد وضعت تحت أمره خبرة كثيرين ممن كانوا يعملون في الأقسام التركية والحربية والإفرنجية في محفوظات عابدين .
وبالطبع لابد لمن يريد البحث في موضوع يتعلق بتاريخ السودان الحديث أن يطلع بالإضافة إلى وثائق دار المحفوظات المصرية بالقلعة الخاصة بهذه الفترة – على الوثائق بالخرطوم .
وأذكر كأمثلة لما في هذه الدار من وثائق عن فترة حكم المهدية :
1- المراسلات المتبادلة بين الخليفة وعماله على الأقاليم .
2- دفاتر الصادر : وتشتمل على خطابات المهدي والخليفة إلى مختلف الأقاليم التي خضعت للمهدية .
3- تقارير المخابرات السودانية المصرية .
4- الوثائق الخاصة بالفترة التي قضاها غوردون أخيراً في الخرطوم .
5- التقارير عن حصار الخرطوم وسنار وسقوطها .
6- تقارير المخابرات المصرية المتعلقة بالفترة من عام 1896 إلى عام 1898 ( مطبوعة ) .
7- أوامر وتعليمات السكرتير الإداري للمدربين - .
8- أوامر وتعليمات السكرتير الإداري للمدربين -

أمثلة الوثائق الموجودة بمكتبة جامعة الخرطوم :
كذلك من أمثلة الوثائق الموجودة بمكتبة جامعة الخرطوم :
دفاتر وقائع عثمان دقنه .
مجموعة تقارير عن حصار الخرطوم وسقوطها ( 20 أغسطس 1887 ) .
أما مكتبة مدرسة الدراسات الشرقية بدور هام بانجلترا : فقد أودع بها السير ونجت الذي كان سرداراً للجيش المصري ورئيساً للمخابرات , ثم حاكماً عاماً للسودان – ما وقع تحت يديه من وثائق .
وهذه الوثائق مفهرسة ومنظمة , وفي صناديق مرقمة ويمكن طلب الفهرس الخاص بها من الدار المذكورة .

ومن أمثلة هذه الوثائق الموجودة بهذه الدار :
نصيحة العوام للخاص والعام .
ويحتاج الباحث أيضاً للبحث في دار الوثائق , فقد كان لانجلترا دور رئيسي في الأحداث .
ومما تحتويه هذه الدار على سبيل المثال :
هذا خلاف المئات من التقارير المشابهة والخطابات التي تبودلت بين الحكومة البريطانية وممثليها في مصر وغيرهم .
وإذا كانت فرنسا قد تدخلت بشكل ما في الأحداث كما في حادثة فاشودة مثلاً – أو لدراسة موقفها من الاحتلال البريطاني لمصر وتدخل بريطانيا في شئون السودان .. الخ . فاعتقد أنه لا غنى للباحث عن اللجوء أيضاً لوثائق المكتبة الوطنية في باريس .
وهكذا يتضح أن الباحث التاريخي الدقيق يستلزم أن يطلع على كافة الوثائق المتعلقة بموضوع بحثه ليتعرف على وجهات النظر المختلفة للأطراف المتعددة المتصلة بالحادث الواحد .
أرشيف وزارات الخارجية :
كثير من الوثائق المتعلقة بوزارات المستعمرات السابقة موجودة بوزارات الخارجية في الدول المستعمرة , فأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية موجودة في الكيه دورسيه , كذلك هناك المراسلات بين وزارات الخارجية وممثلي الدول سواء في العواصم الأوربية أو العواصم الإفريقية مثلاً أو غيرها .
وعادة يسمح للباحث بالاطلاع على ما في هذه الأماكن من وثائق طالما قد مضى عليها فترة زمنية بحيث أصبحت لا تمس سلامة الدولة - وذلك بعد إجراءات بسيطة حتى يستوثق المسئولون من أن الهدف من وراء هذا العمل هو هدف – علمي فحسب – بالطبع هذا باستثناء بعض الوثائق التي قد تعتبر من الأسرار التي لا يسمح بالاطلاع عليها .
وعادة تسمح الدول بالاطلاع على الوثائق التي مر عليها أكثر من خمسين سنة – باعتبار أنه في خلال هذه الفترة انتهت الدواعي الوطنية التي كانت تدعو لحجبها . وقد بدأت بعض الدول ترفع الحظر عن الوثائق التي مضى عليها ثلاثون عاماً طالما لا تمس أحداثاً جارية تدعو لبقائها في طي الكتمان .

الشخصيات العلمية التي لها اهتمام بحوادث تتعلق بالبحث:
العلم ليس احتكارا لأحد , بل أن العالم الحقيقي هو الذي يسعده أن ينتفع غيره بعلمه .
وقد تكون هناك شخصيات علمية لها اهتمام بجوانب معينة من بحثك , وهذه الشخصيات قد يكون من اليسير أن يتصل بها الباحث شخصياً , وقد يتطلب الأمر أن يكتب لها أو يتصل بها بطريقة أو أخرى وذلك للاسترشاد .
برأيها أو الاستفادة بخبرتها أو لتوجيه الباحث إلى مرجع خاص أو مصدر من مصادر المعلومات لم يتنبه له .
مهما يكن من أمر فلا يجب أبداً أن يتجه الباحث هذا الاتجاه إلا بموافقة الأستاذ المشرف وبتوجيه منه , ولعله من الأفضل أن يكون ذلك بخطاب أو توصية من المشرف – وألا فقد يدخل الباحث نفسه في مشكلات هو في غنى عنها .

الأشخاص الذين لهم اتصال بالأحداث :
قد يستطيع الباحث أن يتصل ببعض الأشخاص الذين لهم اتصال بالأحداث , وقد تكون لديهم مذكرات مكتوبة , وليست منشورة عن بعض ما يتعلق ببحثه .
ولاشك في أن الاتصال – إذا تيسر – بالأشخاص المشتركين في الأحداث لمعرفة رأيهم الشخصي أو الاستفسار عن أمر غامض مفيد .
فمن يتعرض – مثلا ً- للكتابة عن الاستعمار الفرنسي للجزائر قد يجد فائدة في الاتصال بأسرة المجاهد الجزائري الأمير عبد القادر , وبالمثل من يكتب عن الاستعمار الأسباني في المغرب – يستفيد إذا أمكنه الاتصال بأسرة الأمير عبد الكريم الخطابي وقد يعثر لديها على مذكرات خطية للأمير كتبها في منفاه أو أثناء إقامته في مصر كلاجئ سياسي أو غير ذلك .
على أن الباحث يجب أن يكون دائماً على حذر , فلا يقبل رأياً على أنه حقيقة لاشك فيها , بل عليه أن يقلب الأمر من جميع وجوهه قصد الوصول للحقيقة المطلقة .
هذه هي بعض التوجيهات بخصوص المصادر والمراجع التي يلجأ إليها الباحث للحصول منها على المادة العلمية الخاصة بموضوع بحثه .
وسنحاول في الفصول التالية أن نوضح واجبات الباحث للتحقق من سلامة الأصول وكذلك حدوده في نقد آراء الآخرين وكتاباتهم سعياً وراء الوصول للحقيقة .**

عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2011   رقم المشاركة : [ 10 ]

منتسب مميز

 
الصورة الرمزية عبدالله الزومان
 
الملف الشخصي:
رقم العضوية : 1571
تاريخ التسجيل : Oct 2010
المشاركات : 330
الجنس : ذكر
عدد النقاط : 426

عبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really niceعبدالله الزومان is just really nice


افتراضي

المحاضرة التاسعة
نقد الأصول التاريخية

تمهيد:
بعد أن توصل الباحث لمراجع بحثه ومصادره الأصلية لعل الأسئلة التي تفرض نفسها عليه وعلينا هي :
1-كيف استفيد من هذه المصادر والمراجع ؟
2-إلى أي حد يمكن الاعتماد على مادتها العلمية ؟
3-هل يجب مناقشة الآراء المختلفة , والوصول إلى رأى شخصي يرجح بعض الآراء , وينفي الأخرى ؟.
4-وما الحدود التي يجب ألا يتخطاها الباحث في ذلك ؟
5-كيف يسجل الباحث بعد ذلك ما وصل إليه من نتائج ؟
6-ما الصورة النهائية التي يجب أن يكون عليها الباحث ؟
وللإجابة على هذه الأسئلة نوضح أولا المراحل التي تمر بها المادة العملية ( المادة الخام ) لتصبح مادة صالحة لبناء النسيج الذي يتكون منه البحث .

الأصول التاريخية وكيفية الاستفادة منها:
ولنبدأ بالأصول التاريخية وكيفية الاستفادة منها :
لما كانت الحقيقة في ذاتها هي الهدف الذي يرمى إليه الباحث – لذلك كان لابد من التأكد من أن ( الأصول ) أو الوثائق التي يبنى عليها استنتاجاته صحيحة وأنها ليست مزيفة تزييفاً كلياً أو جزئياً .
وقد ظهر أن كثيراً من الأصول التي استخدمت في الماضي دون نقد أو تمحيص مزيفة , وبالطبع فكل ما بني عليها من استنتاجات لا قيمة له , ومن ثم ذهب كل جهد بني على هذه الأصول المزيفة هباء .
ولذا ينصح الباحث أن يتأكد أولاً من أصالة النص بأن يبدأ بنقد الأصل – فإذا ثبتت صحته بصورة قاطعة يمكن أن يستخدمه باطمئنان .
والنص يتعرض لنقد ظاهري , ونقد باطني , والمؤرخون الألمان يتخذون لفظ ( فحص بدلاً من نقد ) .

النقد الظاهري :
يقصد به التأكد من شخصية كاتب النص , ومن صحة نسبه إليه , وذلك بطرق مختلفة , كاختبار نوع الحبر المستخدم , والقلم الذي كتب به النص , ودراسة اللغة , والأسلوب , والمصطلحات, والصيغ الخاصة بالفترة التي كتب فيها النص , هذا بالإضافة إلى العادات الجارية في ديوان من الدواوين في زمان من الأزمنة , أو الخصائص المشتركة بين كل الوثائق التي من نوع معين والتي ثبت يقينا أنها صحيحة . فالباحث عليه أن يعقد مقارنة بين عدد كبير جداً من الوثائق المتشابهة قبل أن يصدر حكماً جازماً على حالة معينة أمامه .
وتتطلب عملية النقد هذه جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن كاتب النص , وهذا يخدم في الحكم على مدى تحريه الحقيقة , ومدى علاقته بالأحداث التي كتب عنها . وهل شاهدها بنفسه أو اشترك فيها أم أنه يكتب عن أشياء سمع عنها فقط , وهل مضى وقت بين وقوع الحدث نفسه وبين تدوينه .
فقد يكون النص صحيحاً غير مزيف , وقد يكون كاتبه من الأشخاص الذين عرف عنهم تحرى الصدق فيما يكتبون – لكن لبعد الزمن بين وقوع الحادث وبين تدوينه يلتبس عليه الأمر فيمهل ذكر تفاصيل هامة أو يخطئ عن غير قصد في ذكر أحداث معينة . فمعرفة كاتب الأصل وتاريخ كتابته وعلاقته بالأحداث – كل هذه تهم وتخدم في الاطمئنان على دقة ما جاء بالنص .
والنص الأصلي قد يكون بخط المؤلف أو قد يكون مملى ويكون المؤلف قد راجع الإملاء , وفي هذه الحالة يعتبر النص في مرتبة النسخة التي بخط المؤلف .
ويعطى دكتور أسد رستم أمثلة لبعض النصوص والوثائق التي احتوت أموراً هامة وخطيرة ونسب صدورها لأشخاص معينين – لكن ثبت بعد ذلك أنها مزورة ومدسوسة على أصحابها ومن هذا القبيل نوع من التزوير لم يسلم منه كثير من الأصول . ذلك أن أصحاب الكتب الخطية كانوا في بعض الأحيان يضيفون في المخطوط الذي تحت أيديهم على الهامش أو في أواخر الفصول والأبواب أخبار أو آراء جديدة تتعلق بما جاء بالمخطوط , وتمر الأيام وتضيع النسخة الأصلية للمخطوط , وينسخ الكاتب مرة أخرى من النسخة المنقولة بإضافتها , وتدخل الزيادة في الأصل , ويختلط الشرح بالمتن , ويختلط الأمر على المتأخرين فينسب كل ما في النسخة الخطية المتأخرة بما فيها من إضافات إلى المؤلف الأصلي . وهو نوع من التزييف فنحن ننسب للمؤلف ما هو والإضافات من هذا القبيل على نوعين :

( أ ) الحـشو : والبعض يطلق عليه لفظ ( الدس ) ويقصد به إدخال كلمات أو جمل ( إضافات ) في النص لم تكن فيه من قبل .

( ب ) الإكمال : يقصد به إضافة لأحداث أخرى للنص الأصلي بأيد أخرى دون أن يهتم المكمل بذكر أين ابتدأ إكماله وأين انتهى .

وفي بعض الأحيان يمكن بيسر فصل الوثيقة الأصلية عن الإضافات – كأننا نستعمل مقصاً , وفي أحيان أخرى يختلط الأمر فيصعب تمييز مواضع اللحام .
وفي هذه الحالة تصبح مهمتنا محاولة استعادة الأصل أو على الأقل عزل الوضع السقيم المشكوك فيه .
ويعطى دكتور أسد رستم أمثلة لبعض الكتب التي نشرت اعتمادا على نسخ خطية دست فيها أخبار كثيرة ثبت فيها بعد أن تاريخ حدوث بعضها لاحق لتاريخ وفاة المؤلف الأصلي نفسه .
وهكذا يصبح من اللازم التحقق من أصالة الأصول . وإن كان الأمر يستلزم من الباحث – قبل الاعتماد على الأصل – بذل جهد مضن سواء بدراسة الوثيقة من حيث زمن كاتبها أو أسلوبه أو طريقة التدوين في ذلك الوقت أو نوع الأوراق المستخدمة – إن كانت رسمية أو غير رسمية – أو أختامها أو طريقة الكتابة نفسها سواء من حيث طريقة توجيه الخطاب أو الرسالة أو طريقة إنهائها , أو غير ذلك من الوسائل التي يتذرع بها الباحث للتأكد من أن الأصل الذي سيستخدمه صحيح . وقد يصل الباحث بعد الجهد الذي بذله لاختيار النص إلى تقرير حقيقة مرة وهي أن النص الذي بين أيدينا لا يمكن إصلاحه والاعتماد عليه .

الأصول التاريخية المخطوطة :
وفيما يتعلق بالأصول التاريخية المخطوطة نقسمها إلى أربع حالات :
1- أصول بخط المؤلف , ويمكن للباحث إذا اطمأن بكافة الوسائل إلى أن الأصل بخط المؤلف – دون شك – أن يستخدم هذا الأصل , وأن يعتمد عليه وهو مطمئن ويمكن أن نطلق على هذه الأصول " أصول من الدرجة الأولى " .
2- في حالة فقد الأصل ووجود نسخة وحيدة منقولة من الأصل . على الباحث في هذه الحالة أن يحاول دراسة هذه النسخة دراسة تحليلية , فيدرس حياة المؤلف , ويحاول أن يلم بظروفه , وأسلوبه , إلى غير ذلك في محاولة للوصول إلى حقيقة الأصل المجهول – ولا يجب أن نبالغ في الشك في بعض النصوص التاريخية التي لم ينالها تغيير أو تبديل . وهذه الأصول نعتبرها " أصولاً من الدرجة الثانية " .
3- في حالة ضياع الأصل , والعثور على عدة نسخ منقولة منه فيها بعض الاختلاف .
وهذا يتطلب من الباحث دراسة مقارنة في محاولة لتحديد النص الأول أو أقرب ما يمكن إليه .
وهناك منهج لتصنيف النسخ الفرعية ومقابلتها ببعضها .
ويلاحظ أن تشابه عدد من النسخ لا يعنى بحال ما أنها هي الأقرب إلى الأصل فقد تكون كلها مأخوذة من نسخة واحدة بعيدة عن الأصل الضائع .
كما يجب ملاحظة أن الأقدمية النسبية لنسخة ما ليست لها أية أهمية ومميزة عن نسخة في عصر تال .
4- العثور على أصل المؤرخ مجهول .
وعلى الباحث في هذه الحالة أن يحاول التعرف على شخصية كاتب النص , ويتثبت من ميوله ونزعاته ودرجة علمه وذكائه واتصاله بالحوادث التي يروى أخبارها , ولابد من الوقوف على الزمن الذي كتب فيه هذه الأخبار والمكان الذي سطرت فيه .

أراء في الأصول التاريخية:
أن الأصول – كما يقول د .أسد رستم " هي في غالب الأحيان صلتنا الوحيدة بحوادث الماضي – فإن أخبرتنا الخبر على حقيقة توصلنا إلى الحقيقة التي ننشدها , وإن أرجفت فخاضت في الأخبار المخطئة أو الكاذبة أوقعتنا في مهاوى الظلال والتظليل .. ومهمة الباحث في البحث عن حقيقة النص وصاحبه هي أصعب بدرجات من مهمة القضاة والمحامين إذ أن هؤلاء يتحدثون إلى من ينقل الخبر إليها ويمتحنونه بالاستنطاق ، فهو مخبر حتى ماثل أمامهم – أما مخبر المؤرخ فإنه مبيت خلا مكانه , وطويت ويعطى بول مارس – صوراً للتحريفات التي طرأت على الأصول في نسخ منقولة فيذكر منها أغلاطاً في النقل مرجعها إلى الإدراك حين يخيل للناسخ أن ثمت أغلاطاً في الأصل فيصححونها لأنهم لم يفهموها – وهناك أغلاط عرضية تحدث حينما يسهون في قراءة الأصل أو لا يعرفون أن يقرءوه , أو حينما يسيئون السماع وهم يكتبون عن إملاء , أو حينما يرتكبون عن غير قصد سقطات قلميه أو حذف عدة أسطر مثلا .
أما الدكتور عبد الرحمن بدوى فيعطى أمثلة لما أضافه النساخ لكتابة ( الرسالة ) للشافعي فقد طرأ في الكلام تحريفاً لجهلهم – فاستبدلوا غيره , خاصة أن الشافعي كان يستخدم تعابير في غاية من الرصانة والجزالة , ومتانة السبك مما يدل على عربيته الأصيلة في الكتابة – وهكذا تصبح مهمة الباحث أن يستخرج القراءة الصحيحة التي أملاها الشافعي على تلميذه ( الربيع ) ويستبعد الغريب .
وإذا كان هذا يتعلق بالأصول المخطوطة , فإن نفس الشيء ينطبق على الأصول المطبوعة
وقد أورد الأستاذ فلنج أمثلة لأحداث هامة ترتبط بالثورة الفرنسية وغيرها نشرت في أكثر من مصدر بنفس الشكل – لكن ثبت عدم صحتها لأن النص الأول لم يتحرى الدقة فيما نشره , وأما المصادر الأخرى فقد نقلت عنه دون تحقيق .
وهكذا يتضح لنا أهمية التثبت من نصوص الأصول التاريخية قبل الاعتماد عليها , وذلك عن طريق فحص ( نقد ) النص من الناحية الظاهرية أي دون التعرض لباطن الكلام والوقوف عند معناه ونتيجة مثل هذا الفحص – كما يقول ماس بول – هي الحكم الأول على النص هل هو محتمل أو غير محتمل .
وبالطبع ليس هناك معيار مطلق للحسن أو السوء – لكن كثيراً من الباحثين – نشعر لأول وهلة أنهم لم يبذلوا الجهد المطلوب للتحقق من صحة النصوص التي يستخدمونها , وهؤلاء يوصفون عادة بأنهم يعوزهم النقد , لكن مع ذلك فإن الإفراط في الشك والاتهام يكاد يكون له نفس النتائج الضارة التي للإفراط في الثقة .**
عبدالله الزومان غير متواجد حالياً  
 

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ملخصات مدخل إلى تقنية المعلومات المناهل { ارشيف المستوى الثاني..◦● 11 29-03-2011 01:46 AM
●● يَاشِينَها لاطَاحْ .. دَمعْ الاكابرْ / .. يَاهيِ كبَيره فيْ عُيون العَصافير ●● آمـــــــــاسي الــــورد { همس الخواطر ونبض القصيد ..◦● 18 29-01-2011 07:53 PM
جميع مايخص مادة.. ●●| بنــاء وتطوير المناهج |●● .. غــ نجد ــلا ارشيف المستوى الثاني 35 25-05-2010 03:53 AM
أבيِانّاً! ●●● بُينـي ●● وبينكُِ ... ملامح شوق ا{ الــشريعـﮧ والــحياهـ ..◦● 5 04-05-2010 10:42 AM
جميع مايخص مادة .. ●●| مبادئ الاحصاء التربوي|●● .. شـــجـــن ارشيف المستوى الثاني 36 03-05-2010 12:55 PM

Bookmark and Share

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 04:43 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc
الدعم الفني : مجموعة الياسر لخدمات الويب المتكاملة
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education